وعندما انتهى رسول الله ﷺ إلى تبوك على رأس جيش العسرة، فلم يلق كيدًا، وكعادته - ﵇ - في حربه مع أعدائه، أراد أن يستثمر حملته تلك التي نجحت في بث الرعب في نفوس الروم وحلفائهم من العرب المتنصرة، وذلك لإخضاع المنطقة ومن فيها من القبائل العربيّة، والدويلات الموالية للروم التي باتت تشكل حربًا وتهديدًا للمسلمين بتحالفها السياسي والعسكري مع البيزنطيين، الذي أثمر بوقوفهم جنبًا إلى جنب ضد المسلمين في مؤتة.
لذلك جهّز النّبيّ ﷺ جيشًا من الفرسان، أسند قيادته لفارسٍ مغوارٍ حقّق لتوه نجاحًا منقطع النظير في معركة مؤتة التي دارت أحداثها في محيط المنطقة، ومع نفس العدوّ.
ذلكم هو سيف الله المسلول، خالد بن الوليد ﵁، وصدرت الأوامر النّبويّة العليا لقائد الجيش بأن يتوجّه تلقاء دومة الجندل١.تلك الدويلة الصّغيرة التي كانت تتمتّع باستقلال ذاتي بوسط بلاد كلب، ويملكها الأكيدر بن عبد الملك الكندي الذي كان نصرانيًا يدين بالولاء للدولة البيزنطية.
_________________
(١) ١ سبق التعريف بها.
[ ٤٣٧ ]
[٦] "قال خالد: يا رسول الله! كيف بدومة الجندل وفيها أكيدر، وإنما نأتيها في عصابة١ من المسلمين"٢.
[٧] "فقال رسول الله ﷺ لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد حتى إذاكان من حصنه منظر العين في ليلةٍ مقمرةٍ صافيةٍ"٣.
_________________
(١) ١ عصابة: جماعة ليست بالكثيرة العدد. ٢ من مرسل عروة، وقد سبق تخريجه برقم [١] . ٣ أخرخه البيهقي (دلائل٥/٢٥٠) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق، حدّثنا يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر. قال السندي: (مرويات غزوة تبوك ٢٤٢): "هذا الإسناد حسن، مع إرساله. وقد صرّح فيه محمّد بن إسحاق بالسماع من شيخيه". قلت: وقد أخرجه ابن منده من طريق ابن إسحاق به نحوه، وقال: هذا مرسل، وقد وقع لنا مسندًا. ثم أخرج من طريق أبي المعارك الشماخ بن معارك بن مرة بن صخر ابن بجير بن بجرة الطائي، حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبيه بجير بن بجرة، قال: "كنت في جيش خالد بن الوليد حين بعثه نبيّ الله ﷺ إلى أكيدر ملك دومة الجندل ". ثُمّ ذكره نحوه. ذكر ذلك ابن حجر (إصابة١/١٣٨)، وقال: "وأخرجه ابن السكن، وأبو نعيم، من هذا الوجه، وأبو المعارك وآباؤه لا ذكر لهم في كتب الرجال. قلت: وذكره أيضًا السيوطي في الخصائص (٢/١١٣)، وعزاه إلى أبي نعيم، وابن منده، وابن السكن. والحديث رواه ابن إسحاق في مكان آخر موصولًا لكن مختصرًا. قال الحافظ في الإصابة (١/٤١٣) في ترجمة خالد بن الوليد ومن طريق ابن إسحاق، عن عاصم،
[ ٤٣٨ ]
_________________
(١) عن أنس. وعن عمرو بن أبي سلمة: "أنّ النّبيّ ﷺ بعث خالدًا إلى أكيدر دومة، فأخذوه فأتوا به، فحقن له دمه وصالحه على الجزية". قال عبد القادر حبيب الله السندي في (مرويات غزوة تبوك ٢٤١-٢٤٢): "وهذا الطريق من أجود الطرق في المغازي، وقد ثبت سماع عاصم المذكور عن أنس بن مالك، كما قال الحافظ في التقريب، وبقي شيء واحد وهو أنّ ابن إسحاق لم يصرّح عن شيخه عاصم المذكور، ولو صرّح لكان هذا الإسناد حسنًا. وأمّا طريق عمرو بن أبي سلمة فلا علم لي بها. لأنّ الطريق لم يذكره الحافظ كاملًا. وأمّا عمرو ابن أبي سلمة، فهو عمرو بن أبي سلمة التنيسي، أبو حفص الدمشقي، مولى بني هاشم، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة ٢١٣هـ أو بعدها. قلت: أمّا قوله: "إنّ ابن إسحاق لم يُصرّح بالسماع عن شيخه عاصم، فقد صرّح بالسماع منه في المغازي، وذلك في تكملة الحديث حيث قال: "فحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك قال: "رأيت قباء أكيدر حيث قدم به على رسول الله ﷺ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجّبون منه ". وذكر الحديث. (ابن هشام: سيرة ٤/٢٣٢) . وهذا السند متصل، صرّح فيه ابن إسحاق بالسماع وهو حسن إن شاء الله تعالى. وأمّا قوله: "وأمّا طريق عمرو بن أبي سلمة فلا علم لي بها " الخ. فقد وقع تصحيف في اسم الراوي الذي روى عنه عاصم، كما وقع في الإصابة، فهو ليس (عمرو بن أبي سلمة) بل (عثمان بن أبي سليمان) كما وقع صحيحًا عن أبي داود (كتاب الخراج، باب في أخذ الجزية، حديث ٣٠٢١) الذي روى بسنده من طريق ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس بن مالك، وعنه عثمان بن أبي سليمان به نحوه، وقد سكت عنه أبو داود، والمنذري، وقال عنه الألباني: (صحيح سنن أبي داود٢/٥٨٩): "حسن". وقال المزي: "الحديث أخرجه أبو داود متصلًا من طريق عاصم بن عمر، عن أنس، ومرسلًا من طريق عاصم، عن عثمان. (انظر: عون المعبود ٨/٢٨٦) . قلت: وهذا هو الأصوب، فعاصم بن عمر من الرابعة، فكيف يروي عن عمرو بن أبي سلمة التنيسي، وهو من كبار العاشرة؟! وتلك قرينة على وقوع التصحيف في اسم مَن روى عنه عاصم، وكتاب الإصابة المطبوع تكثر فيه التصحيفات والتحريفات من فعل النُّسَّاخ. والله تعالى أعلم.
[ ٤٣٩ ]
يرسل الله - ﵎ - البقر إلى حصن الأكيدر لتخرجه من بين أهله وقومه، وعزه ومنعته، إلى خالد وأصحابه، لتتحقّق المعجزة النّبويّة، ويتحقق صدق الصادق المصدوق ﷺ.
[٨] "فبينما خالد وأصحابه في منْزلهم ليلًا، إذ أقبلت البقر حتّى جعلت تحتك١ بباب الحصن، وأكيدر يشرب ويتغنى في حصنه بين امرأتيه، فاطّلعت إحدى امرأتيه٢ فرأت البقر تحتك بالباب والحائط، فقالت امرأته: لم أر كالليلة في اللحم. قال: وما ذاك؟ فقالت: هذه البقر تحتك بالباب والحائط"٣.
[٩] "هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مثل هذا؟ قال: لا أحد. فنَزل فأمرَ بفرسه فأُسْرِجَ له وركب معه نفرٌ
_________________
(١) ١ احتك به، وحكّ نفسه عليه. ٢ ذكر الواقدي (مغازي ٣/١٠٢٥) أنّ اسمها الرباب بنت أنيف بن عامر بن كندة. ٣ من مرسل عروة. وقد سبق تخريجها برقم: [١] .
[ ٤٤٠ ]
من أهل بيته فيهم أخٌ له، يُقال له: حسَّان، فخرجوا بمطاردهم"١٢.
ليصيد البقر الذي جاء بنفسه إليهم هذه الليلة خلاف العادة، ولم يَدُر بخَلَد الأكيدر وامرأته، ومَن ركب معه من أهله أنّ ذلك قدرًا إلهيًا، وأمرًا عُلويًّا، ومُعجزة نبويّة أكرم الله بها نبيّه ﷺ، وأمدّه بها تأييدًا له وتمكينًا على أعدائه.
[١٠] "فلمّا فصلوا من الحصن، وخيل خالد تنظرهم لا يصهل منها فرس ولا يتحرّك"٣. فلمّا التقوا:
[١١] "شدّت عليهم خيل خالد بن الوليد، فاستأسر أكيدر وامتنع أخوه حسان، وقاتل حتّى قُتِلَ وهرب مَن كان معهما، فدخل الحصن"٤.
[١٢] "وقال خالد لأكيدر: أرأيتك إن أجرتك تفتح لي دومة؟ قال: نعم. فانطلق حتّى دنا منها"٥. "ونادى أكيدر أهله: افتحوا
_________________
(١) ١ جمع مطرد، وهو رمح قصير يُطعَن به. وقيل: يطرد به الوحش. (اللسان ٤/٢٥٧) . ٢ من رواية ابن إسحاق عن شيخيه، يزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر. وقد سبق تخريجها. ٣ من رواية الواقدي (مغازي ٣/١٠٢٦) . ٤ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/١٦٦)، عن شيوخه. ٥ من رواية عروة، وقد سبق تخريجها برقم: [١] .
[ ٤٤١ ]
باب الحصن. فرأوا ذلك، فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر"١.
[١٣] "فلمّا رأى ذلك قال خالد: "أيها الرجل! خلّني فلك الله لأفتحنّها لك، إنّ أخي لا يفتحها لي ما علم أنّي في وثاقك. فأرسله خالد، ففتحها له، فلمّا دخل أوثق أخاه وفتحها لخالد. ثُمَّ قال: اصنع ما شئت. فدخل خالد وأصحابه، فذكر خالد ﵁ قول رسول الله ﷺ، والذي أمره، فقال له أكيدر: والله ما رأيتها قط جاءتنا إلاّ البارحة - يريد البقر - ولقد كنت أضمّر لها٢، إذا أردت أخذها فأركب لها اليوم واليومين، ولكن هذا القَدَر. ثُمَّ قال: يا خالد! إن شئت حكَّمتك، وإن شئت حكّمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت! فأعطاهم ثمانمائة من السبي، وألف بعير، وأربعمائة درع، وأربعمائة رمح"٣. "ثُمَّ إنّ خالدًا قدم بالأكيدر على رسول الله ﷺ فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، وخلّى سبيله، فرجع إلى قريته" ٤. ثُمّ
[١٤] "إنّ أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ حلّة حرير"٥.
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . ٢ ضمّر الخيل تضميرًا، علّفها القوت بعد السّمَن. (القاموس: الضمر) . ٣ من رواية عروة. وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٤ من رواية ابن إسحاق عن شيخيه. وقد سبق تخريجها برقم: [٧] . ٥ أخرجه مسلم (الصحيح٥/٦٩)، من رواية قتادة عن أنس ﵁.
[ ٤٤٢ ]
[١٥] "فجعل أصحابه يلمسونها ويعجبون من لينها. فقال: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة، خير منها وألين"١.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (الصحيح ٥/٦٨)، من رواية أبي إسحاق عن البراء بن عازب ﵁. هذا وقد ذكر أهل المغازي أنّ ذلك كان قُباء حسَّان أخو الأكيدر أرسل به خالد بن الوليد ﵁ إلى رسول الله ﷺ بعد مقتل حسَّان. ولقد اخترت رواية الصحيح على رايات أهل المغازي لأنّ ما في الصحيح أصحّ. والله تعالى أعلم.
[ ٤٤٣ ]