وخرج معهم رسول الله ﷺ حتَّى بلغ ثنية الوداع١، وهناك أوصاهم قائلًا:
[٢٨] "اخرجوا باسم الله، فقاتلوا في سبيل الله عدوّ الله وعدوّكم، إنَّكم ستدخلون الشام فستجدون رجالًا في الصَّوامِع٢ معتزلين النَّاس فلا تعرضوا لأحدٍ منهم إلاَّ بخيرٍ، وستجدون آخرين للشياطين في رؤوسهم مفاحص٣، فافلقوا هامهم٤ بالسيوف، لا تَقْتُلُنَّ كبيرًا ولا فانيًا، ولا صغيرًا ضرعًا٥، ولا تَقْتُلُنَّ امرأةً،
_________________
(١) ١ ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ - بفتح الواو - وهي اسم من التوديع، وهي ثنية مشرفة على المدينة يطؤها مَن يريد الشام، واختلف في سبب تسميتها بذلك، والأشهر والصحيح أنه اسم جاهليّ قديم سُمِّيَ لتوديع المسافرين، وكان اسمها قديمًا ثنية الركاب، وكانت هذه الثنية بين مسجد الراية، وقبر النَّفْس الزكية جوار سلع، وقد هُدِمَت اليوم وأُزِيلَت بكاملها مع المسجد، وأُقِيمَ مكانها مدخل نفق المناخة من جهة الشمال. (العباسي: عمدة الأخبار ٢٨٣) . ٢ جمع صومعة، وهي مكان عبادة الرهبان من النصارى. ٣ أي أنَّ الشيطان قد استوطن رؤوسهم فجعلها له مفاحص، كما تستوطن القطا مفاحصها. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٨٥) . ٤ الهامة: رأس كُل شيء. والمعنى: اضربوا رؤوسهم بالسيوف. ٥ أي الصغير الضعيف.
[ ٢٦٩ ]
ولا تُعْزِقُنَّ١ نخلًا"٢.
لقد تضمنَّت تلك الوصية أرقى قانون للحرب العادلة، قانون عجزت حتى الآن كُلّ النُّظُم والتشريعات أن تصل إليه من حيث الإنصاف في معاملة الأعداء، واجتناب الأعمال اللاإنسانية من التعرُّض للنساء والأطفال والعَجَزَة، ورجال الدين المعتَزلين بأي نوعٍ من أنواع الأذى، لقد
_________________
(١) ١ أي: لا تقطعن. والعزق: القطع. ٢ أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق: المجلدة الأولى ص ٣٩١) من حديث ابن عائذ بسنده عن العطاف بن خالد المخزومي، وعن العطاف بن خالد، عن واقد بن محمَّد ابن زيد. كما رواه الواقدي (مغازي ٢/٧٥٨) من طريق العطاف، عن خالد بن يزيد. وأخرجه ابن عساكر: تاريخ دمشق (المجلدة الأولى ص ٣٩١) عنه، وقال تعليقًا على الخبرين: هذان إسنادان مرسلان، والمحفوظ أنَّ هذه وصية أبي بكر ﵁. قلت: وإن كان الخبران مرسلين، فإنَّهما يتعاضدان فيما بينهما بالمتابعة، وإن كان الخبر الثالث من طريق الواقدي، لكنَّه تابع فيه الثقات، ولا يمنع أن تُشابِه وصيَّة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه، وصيَّة صاحبه ومعلِّمه الأوَّل رسول الله ﷺ، فالصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه تلميذٌ نجيبٌ مِن مدرسة المصطفى ﷺ. وقد أورد هاتين الوصيتين - وصية الرسول ﷺ، ووصية أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه - ابن الأثير في (النهاية ٣/٤١٥) في موضعٍ واحدٍ، مِمَّا يدُلُّ على كونهما حديثين متشابهين كما ذكرنا. كما يشهد للخبرين السابقين الأحاديث الصحيحة في وصايا النَّبِيِّ ﷺ للسرايا التي يبعث بها لتقاتل مَن كَفَر بالله. والله تعالى أعلم.
[ ٢٧٠ ]
كانت توصيات في الآداب الحربية، ودروس في الشرف العسكري، وأُسُس راسخة في المعاملة الإنسانية، والرأفة بغير المحاربين من النساء والشيوخ والأطفال، وتربيات عالية شريفة ما سمعت ولا دعت أُمة مثلها منذ فجر التاريخ حتى اليوم من غير سيد البشر محمَّد ﷺ ".
إنَّ أرقى الأُمم في العصر الحاضر لا تزال في مجال محاولاتها الالتزام بقانون الشرف العسكري، لا تزال تحبو حبوًا إذا ما قِسْنَا محاولاتها بما وضعه الرسول ﷺ في خطبته هذه من قواعد راسخة لقانون الشرف العسكري١".
[٢٩] "ثُمَّ ودَّع النَّاس أمراء رسول الله ﷺ، وسلَّموا عليهم، فلمَّا ودَّعوا عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - بكى، فقالوا: "ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: "أما والله ما بي حُب للدُّنيا، ولا صبابة إليها، ولكني سمعت الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهُا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيَّا﴾ . [سورة مريم، الآية: "٧١] ". فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟!
فقال المسلمون: "صحبكم الله، وردَّكم إلينا صالحين، ودفع عنكم". قال ابن رواحة:
لكنَّنِي أسأل الرحمن مغفرةً وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا٢
_________________
(١) ١ با شميل: غزوة مؤتة ٢٦٢-٢٦٤. ٢ ذات فرغ: يعني ذات سعة. الزبدُ: رغوة الدم. (شرح السيرة للخشني ٣٥٤) .
[ ٢٧١ ]
أو طعنةً بيدى حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا١
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشده الله من غازٍ وقد رشدا٢
ثُمَّ أتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودَّعه، فقال:
وثبَّت الله ما آتاه من حسن تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصرا
إني تفرَّسْتُ فيك الخير نافلة والله يعلم إني ثابت البصرا
أنت الرسول فمن يحرم نوافله والوجه منك فقد أزرى به القدرا٣
_________________
(١) ١ رجل حرَّان: عطشان، أي متعطِّش للقتل. مجهزة: سريعة القتل. (المصدر السابق) . ٢ الجدث: القبر. (المصدر السابق) . ٣ نافلة: هبة من الله. وأزرى به القدرا: أي قصد به. (شرح السيرة للخشني ٣٥٤) وهذا الخبر من رواية عروة عند البيهقي، وقد سبق تخريجها برقم [١٤] . كما أخرج حادثة بكاء عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه، وسببها: أبو نعيم في (الحلية ١/١١٨) من طريق محمَّد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري أيضًا.
[ ٢٧٢ ]