يُكاد يتَّفِق أهل المغازي، وأهل الحديث - مِمَّن روَى منهم أحداث وقعة مؤتة - على أنَّ تاريخ الوقعة كان في جمادى الأولى من السَّنة الثامنة من:
[٦] مهاجر النَّبِيِّ ﷺ ١.
[٧] ويختلف معهم ابن عبد البر بجعلها في جمادى الثانية من نفس السنة٢.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك عروة بن الزبير في روايته عن المعركة. (انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٣٧٣، الطبري: تاريخ ٣/٣٦، البيهقي: دلائل ٤/٣٥٨، ابن حجر: فتح ٧/٥١١)، والزهري في روايته التي أخرجها الهيثمي (مجمع ٦/١٦٠) وعزاها للطبراني، وأخرجها الواقدي. (انظر: الشامي: سبل٦/٢٢٨)،وموسى بن عقبة (انظر: البيهقي: دلائل ٤/٣٦٤ - ٣٦٥)، وابن إسحاق (انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٣٧٣،الطبري: تاريخ ٣/٣٦) . وذكره الواقدي (مغازي ١/٦) مجملًا مع تواريخ الغزوات والسرايا، وابن سعد (طبقات ٢/١٢٨) . وذكره بقية أهل المغازي نقلًا عنهم (انظر: ابن سيد الناس: عيون ٢/١٩٨، القسطلاني: المواهب ١/٥٤٩، ابن حزم: جوامع ٢٢٠، ابن القيم: زاد ٣/٣٨١، العامري: بهجة المحافل ١/٣٩٠، الحلبي: سيرة ٣/٧٨٦) . وذكره من المحدِّثين: أحمد بن حنبل (انظر: البنا: الفتح الرباني ٢١/١٣٦) . هذا وقد نقل ابن حجر (فتح ٧/٥١١) اتفاق أهل المغازي على ذلك، ما عدا خليفة ابن خياط. ٢ ابن عبد البر: درر ٢٢٢.
[ ٢٥٣ ]
[٨] بينما وردت عن خليفة بن خياط في ذلك روايتان، خالف في إحداهما أهل المغازي بجعلها في السَّنة السَّابعة١، ووافقهم في الرواية الثانية٢.
وقد احتجَّ ابن حجر على الترمذي - الذي ذكر أنَّ مؤتة كانت قبل عمرة القضاء٣ - مستغربًا ذهول الترمذي عن بعض الأحداث التي تتعارض مع ذلك٤".
_________________
(١) ١ ذكر ابن حجر (فتح ٧/٥١١) وتابعه الزرقاني (شرح ٢/٢٦٨)، والشامي (سبل ٦/٢٢٨): "أنَّ خليفة بن خياط ذكر في تاريخه أنَّها كانت سنة سبع، ولم أجد ذلك في كتاب التاريخ، وإنَّما وجدته في كتاب الطبقات له (في ترجمة عبد الله بن رواحة ٩٣) فلعلَّ ابن حجر ومتابعيه يقصدون ذلك. والله تعالى أعلم". ٢ انظر: تاريخ خليفة ٨٦-٨٧. ٣ ذكر ذلك الترمذي (سنن ٤/٢١٧، كتاب الأدب، باب إنشاد الشعر) حيث قال بعد إيراده حديث أنس رضي الله تعالى عنه: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول: خلوا بني الكُفَّار عن سبيله اليوم نضربكم على تنْزيله".. الخ الحديث. قال: "ورُوِيَ في غير هذا الحديث: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وكعب بن مالك بين يديه. وهذا أصح عند بعض أهل الحديث، لأنَّ عبد الله ابن رواحة قُتِلَ يوم مؤتة، وإنَّما عمرة القضاء بعد ذلك". ٤ قال الحافظ (فتح ٧/٥٠٢): "وهو ذهول شديد، وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أنَّ في قِصَّة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه علي، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، وجعفر قُتِل هو وزيد، وابن رواحة في موطنٍ واحدٍ، وكيف يخفى عليه - أعني الترمذي - مثل هذا؟! ثُمَّ وجدت عن بعضهم أنَّ الذي عند الترمذي من حديث أنس: أنَّ ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخط الكروخي راوي الترمذي ما تقدَّم، والله أعلم". وقال الشامي (سبل ٥/٣٠٠) أيضًا: وكذلك رأيته في عِدَّة نسخ من جامع الترمذي. قلت: الترمذي رحمه الله تعالى لم يعترض من نفسه، وإنَّما أورد اعتراض بعض أهل الحديث على الرواية فهو بذلك يعتبر ناقلًا لا معترضًا - سيِّما وأنه وُجِدَ في بعض مخطوطات السُّنَن (٢/٤٩/٢): قيل: "إنَّ عمرة القضاء كانت في سنة سبع، وكانت مؤتة في سنة ثمان، والله أعلم وأحكم. وربَّما أنَّ الحافظ رحمه الله تعالى احتجَّ على عدم تعليق الترمذي على ذلك مع ما عُرِفَ عنه من العقلية الناقدة". والله تعالى أعلم.
[ ٢٥٤ ]
[٩] هذا وقد وقع في بعض الروايات أنَّ فصول الجيش١ من المدينة كان في يوم جمعة٢".
_________________
(١) ١ فصل من البلد، فصولًا: خرج منه. (القاموس: مادة الفصل) . ٢ أخرج الترمذي (انظر: تحفة الأحوذي٣٣/٦٥-٦٦)، وأحمد (المسند ١/٢٦٥) من حديث أبي معاوية عن الحجاج عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، قال فقدم أصحابه، وقال: أتخلَّف فأصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثُمَّ ألحقهم. قال: فلما صلّى رسول الله ﷺ. رآه فقال: "ما منعك أن تقدو مع أصحابك؟ " قال: "أريت أن أُصلّي معك الجمعة ثُمَّ ألحقهم. فقال رسول الله ﷺ: "لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما أدركت غدوتهم". قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم بن مقسم إلاّ خمسة أحاديث وعدّدها شعبة. وليس هذا الحديث فيما عدّها شعبة. وكأنّ هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم". وقال الهيثمي (المجمع ٦/١٥٦): "فيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلِّس، وبقية رجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير (البداية ٤/٢٤٢: "الحجاج بن أرطأة في روايته نظر". وقال المباركفوري (التحفة ٣/٦٦): "قال البيهقي: انفرد به الحجاج بن أرطأة، وهو ضغيف". انتهى. كذا في التلخيص. قلت: وحجاج بن أرطأة مدلِّس، وورد هذا الحديث عن الحكم بالعنعنة". قلت: ويخشى أيضًا من تدليس الحكم؛ لأن عنعنه عن مقسم، وهو ثقة كما ذكر الحافظ في التقريب ص ١٥٢، إلاّ أنه ربما دلَّس. والله تعالى أعلم. قال ابن كثير: (البداية ٤/٢٤٢): "والمقصود من إيراد هذا الحديث أنه يقتضي أنّ خروج الأمراء إلى مؤتة كان في جمعة". والله أعلم.
[ ٢٥٥ ]
أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه - قالها ثلاث مرَّات – ثُمَّ جاءت أُمّنا فذكرت يتمنا، وجعلت تُفَرِّح له١، فقال: العيلة تخافين عليهم وأنا وليُّهم في الدُّنيا والآخرة! "٢.
وهكذا كان المصطفى ﷺ عطوفًا رحيمًا، رقيق القلب، يواسي أُسَر الشهداء ويدعو لهم ولأبنائهم، ويكفلهم برعايته وحنانه.
[٩٤] فهذا أُسامة بن زيد - ﵄، يقف أمامه - ﵊، فيتذكَّر أباه، فتدمع عيناه ﷺ شوقًا إليه، وحنانًا وعطفًا به٣.
_________________
(١) ١ من أفرحه إذا غمَّه، وأزال عنه الفرح، وكأنَّما أرادت أنَّ أباهم توفي ولا عشيرة له. ٢ أخرجه النسائي، (السنن الكبرى ٥/١٨٠)، وأحمد، (المسند، حديث رقم: ١٧٤٩)، والطبراني، (المعجم ٢/١٠٥)، وابن سعد، (الطبقات ٤/٣٦-٣٧) . جميعهم من حديث وهب بن جرير، عن أبيه عن محمّد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر. قلت: صحّح إسناده ابن حجر، (فتح الباري٧/٥١١)،وقال الهيثمي، (المجمع٦/١٥٧): رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في: (إرواء الغليل ٥/٢٨٥، وأحكام الجنائز٢١-١٦٦، وحاشية فقه السيرة للغزالي ٣٧٠): هو على شرط مسلم. ٣ أخرجه ابن أبي شيبة، (المصنّف١٤/٥١٩) .وهذا لفظه، وابن سعد، (الطبقات٤/٦٣)، كلاهما من حديث يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي خازم، وسنده رجاله رجال الصحيح غير أنه مرسل. وقد أخرجه ابن عساكر، (تاريخ ٦/٥٩٦)، موصولًا من طريق البزّار، نا يحيى بن حبيب، نا أبو أسامة، نا إسماعيل، عن قيس، عن أسامة بن زيد، فذكره نحوه. قلت: وسنده حسن. يحيى بن حيب، صدوق (تقريب ٥٨٩) . وأبو أسامة صرَّح بالسماع من إسماعيل. وبقية رجاله ثقات. والله تعالى أعلم.
[ ٢٥٥ ]
ولا غرابة في ذلك، فهو نبيُّ الرحمة المهداة.
فها هو - أيضًا - ﵊، يخفِّفُ عن أصحابه لَمَّا اشتدَّ حزنهم على مَن أُصيب في مؤتة، وبكوا:
[٩٥] "وهم حوله، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: وما لنا لا نبكي وقد قُتِلَ خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل مِنَّا، قال: لا تبكوا، فإنَّما مثل أُمَّتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فاجتثَّ١ رواكبها، وهيأ مساكنها، وحلق سعفها٢،فأطعَمَت عامًا فوجًا، ثُمَّ عامًا فوجًا، ثُمَّ عامًا فوجًا، ولعلَّ آخرها طعمًا يكون أجودها قنوانًا، وأطولها شمراخًا، والذي بعثني بالحق ليجدنَّ ابن مريم في أُمَّتي خلفًا من حواريه ".
وفي رواية أخرى: "ليدركن المسيح من هذه الأُمَّة أقوام إنَّهم لمثلكم أو خير منكم - ثلاث مرَّات - ولن يخزي الله أُمةً أنا أولها والمسيح آخرها"٣.
_________________
(١) ١ اجتث: اقتلع. ٢ أي قصَّ سعف نخلها، والسعف من النخل بمثابة الورق من الشجر. ٣ أخرجه الحكيم الترمذي (نوادر الأصول ص ١٥٧) من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه، بلا سند، والجزء الأخير من الحديث أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤/٥١٧)، وحسَّن ابن حجر (فتح ٧/٦) إسناده. كما أخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٤٣) وقال عنه: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي: ذا مرسل، سمعه عيسى بن يونس عن صفوان، وهو منكر،.وصحَّحه المناوي (فيض القدير٥/٣٥٣) وعزاه إلى الترمذي في نوادر الأصول.
[ ٢٥٦ ]
وهكذا كان وَجْدُ الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم - على مَن أُصِيبوا بمؤتة شديدًا، وكان مِمَّا بُكِيَ به أهل مؤتة من أصحاب رسول الله ﷺ:
[٩٦] قول حسَّان بن ثابت١:
تَأَوَّبَنِي لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ وَهَمٌّ إذا نُوِّمَ الناسُ مُسْهِرُ٢
لِذِكْرَى حَبِيبٍ هَيَّجت لِي عَبْرَةٌ سَفُوحًا وَأَسْبَابُ البُكَاءِ التَّذَكُّرُ٣
بَلَى! إنَّ فُقْدَانَ الْحَبِيبِ بَلِيَّةٌ وَكَمْ مِنْ كَرِيمٍ يُبْتَلَى ثُمَّ يَصْبِرُ
رَأَيْتُ خِيَارَ النَّاسِ تَوَارَدُواْ شَعُوبًا وخلفًا بعَدَهُم يَتأخَّرُ٤
فَلا يُبْعِدَنَّ اللهُ قَتْلَى تَتَابَعُواْ بِمُؤْتَةَ مِنْهُم ذُو الْجَناحَينِ جَعْفَرُ٥
وزَيْدٌ، وعبدُ اللهِ حِينَ تَتَابَعُوا جَمِيعًا وَأَسْبَابُ المَنِيَّة تَخْطُرُ
_________________
(١) ١ ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٣٨٣-٣٨٤) عن ابن إسحاق الذي رواه معضلًا بلا سند. وانظر ديوان حسان بن ثابت: ١٠٧-١٠٨. ٢ تأوَّبني: أي عاودني ورجع إليَّ. وأعسر: معناه عسير. ومسهر: أي مانع من النوم. ٣ عبرة: أي دمعة. والسفوح: السائلة. ٤ تواردوا شعوب - بفتح الشين - اسم للمنية، من قولك: شَعبت الشيء إذا مزَّقته. وخلفًا: يعني مَن يأتي بعد. ٥ أسباب المنية تخطر: يقال خطر في مشيته، إذا تبختر فيها وتحرَّك. ٦ ميمون النقيبة: أي مسعود ومنجح فيما يطلبه، وأزهر: أي أبيض. ٧ أبيٌّ: عزيزُ. سِيمَ: إذا كلَّف. مجسر: كثير الجسارة. ٨ المعترك: موضع الحرب. ٩ الحدائق: الجنات، واحدتها حديقة.
[ ٢٥٧ ]