اختلف الواقدي، وابن اسحاق - وهما مَن تحدَّثا عن سبب سرية ذات السلاسل - فيها، فبينما يذكر ابن إسحاق:
[١٢] أنها كانت لاستنفار العرب إلى الشام، وأنّ رسول الله ﷺ بعث عمرو بن العاص ﵁ إلى بليّ باعتبار "أنّ أُمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بليّ، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يستألفهم بذلك"١.
يذكر الواقدي، وتابعه ابن سعد:
[١٣] أنّ السّرية كانت بسبب المعلومات الهامّة التي وصلت إلى النبي ﷺ عن التحرّكات العدوانية النشطة لقبائل بليّ وقضاعة، واستعداداتهم للهجوم على أطراف الدولة الإسلامية٢.
بينما يذكر بعض الباحثين المعاصرين لها أسبابًا أُخَر، فهي كانت لتأديب الأعراب في تلك الناحية٣، والأخذ بثأر المسلمين من القبائل التي اشتركت في غزوة مؤتة ضدّهم٤.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند الطبري وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٢ مغازي ٢/٧٧٠، الطبقات ٢/١٣١. ٣ انظر: الغزالي: فقه السيرة ٣٧٠، والدكتور سيد طنطاوي: السرايا الحربية ١٣٦. ٤ انظر: اللواء خطاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٩.
[ ٣٩٧ ]
كما ذكر بعضهم أنّه بناءً على نتيجة غزوة مؤتة، كان لزامًا على رسول الله ﷺ أن يستردّ هيبة المسلمين، ويُعِيد إليهم كرامتهم في تلك البلاد١.
وسواء قَصَدَ رسول الله ﷺ تأديب الأعراب، وصدّ عدوانهم على أطراف الدولة الإسلامية عندما بلغته أخبار حشودهم وتحرُّكاتهم، فتحرّك بسرعة لضربهم قبل استكمال استعداداتهم القتالية، كما هي عادته ﷺ دائمًا مع أعدائه، أم أراد الثأر من القبائل العربية المنتصرة الحليفة للرومان، والتي شاركت إلى جانبهم في مؤتة، أو غير ذلك من الأسباب التي ذُكِرَت قديمًا وحديثًا، فإنّ السبب الحقيقي وراء ذلك كُلِّه هو إعلاء كلمة الله ﷿ في تلك البقاع، ونشر الدعوة الإسلامية، بعد إزاحة القوى السياسية والعسكرية التي كانت تقف حجر عثرة في وجه نشر الإسلام في المنطقة.
والقبائل العربية المنتصرة والحليفة للدولة البيزنطية كانت من تلك القوى، وكانت تقوم بتحرّكات مشبوهة ونشاطات معادية للمسلمين في المنطقة الشمالية من الجزيرة على أطراف الدولة الإسلامية، وبخاصّة بعد مؤتة، فكان لا بُدَّ من ردعها وإخضاعها لسيطرة المسلمين، لأنّ المسلمين - أيضًا - كانوا في وضع استعدادي متناسق ومتدرِّج لمنازلة الدولة البيزنطية، إحدى القوَّتين العظميين في ذلك الوقت، لوضع حدٍّ لسلطانهم، والقضاء على قوّتهم العسكرية والسياسية المناهضة لنشر الإسلام في المنطقة. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: الشريف: مكّة والمدينة ٥٣٧، وهيكل: حياة محمّد ﷺ ٤١٥.
[ ٣٩٨ ]