"لقد صمد المسلمون في معركة مؤتة صمودًا هو أروع ما يصنع الإيمان الصادق، وقد دفع المسلمون الثمن غاليًا دونما شك، تمثَّل هذا الثمن الغالي بصورةٍ رئيسية في مصرع قادة الجيش الرئيسيين الثلاثة، الواحد بعد الآخر، وبأُسلوبٍ تمثَّلت فيه أرقى معاني البطولة، واسترخاص الأرواح في سبيل الله"١.
وهذا رسولُ الله ﷺ يصف بطولتهم، واسترخاصهم أرواحهم في سبيل الله، ومدى غبطتهم وسرورهم بمصيرهم بما "رأوا من فضل الشهادة"٢ بقوله:
[٨٦] "وما يسرهم أنَّهم عندنا"٣.
"إنَّ روعة المقاومة الإسلامية في معركة مؤتة التاريخية، والتي يسرت للمسلمين انسحابًا منظَّمًا مشرفًا بعد ذلك الصدام الهائل، انسحابًا يمثِّل في واقعه أعلى درجات الانتصار بالنسبة لظروف المعركة الصعبة"٤.
وتكفينا هنا شهادة رسول الله ﷺ الذي وصف ذلك الانسحاب القوي بالفتح والدلالة التي تعلو على الريب في هذه المعركة.
_________________
(١) ١ با شميل: غزوة مؤتة ٢٨٦-٢٨٧. ٢ ابن حجر: فتح ٧/٥١٣. ٣ أخرجه البخاري. (انظر: فتح الباري ٦/١٨٠) . ٤ با شميل: غزوة مؤتة ٢٨٨.
[ ٣٤٩ ]
إنَّ شجاعة المسلمين وبسالتهم بلغتا حدًا كبيرًا، وقد أكسبهم هذا الروح العالي إقدامًا حقَّر أمامهم كبرياء الأُمم التي عاشت مع التاريخ دهرًا تصول وتجول لا يوقفها شيء١.
"إنَّ الاستهتار بالخطر، والطيران إلى الموت ليس فروسية احتكرها الرجال المقاتلون وحدهم، بل هي قوَّة غامرة قاهرة تعدَّت الرجال إلى الأطفال، فأصبحت الأمة كلها أُمة كفاح غالٍ عزيز، وحسبك أنَّ جيش مؤتة لَمَّا عاد إلى المدينة قابله الصبيان بصيحات الاستنكار، يقولون: يا فُرَّار، فررتم في سبيل الله؟! إنَّ أولئك الصِّغار الأغرار يرون انسحاب خالد ومَن معه فِرارًا يُقابل بحثو التراب.
أي جيل قوي نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق؟!.. أي نجاح بلغته رسالة الإسلام في صياغة أولئك الأطفال العظام؟!.. مَن آباؤهم؟!.. مَن أُمَّهاتهم؟!.. كيف كان الآباء يُرَبُّون؟!.. وكيف كانت الأمَّهات يُدَلِّلْن؟!.. إنَّ مسلمة اليوم بحاجة ماسّة إلى أن تعرف هذه الدروس"٢.
"وحين ترتفع الوتيرة الإيمانية لدى الفتيان الناشئين في الجيل الإسلامي إلى هذا المستوى، فلا شك أنَّ هذا التغيير هو الكفيل بتغيير حال المسلمين ﴿إنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم﴾، [سورة الرعد: الآية: ١١] "٣.
_________________
(١) ١ الغزالي: فقه السيرة ٣٦٩. ٢ المصدر السابق. ٣ منير غضبان: فقه السيرة ٥٤٨.
[ ٣٥٠ ]
وتعيير أهل مؤتة بالفُرَّار لم يكن من الصبيان وحدهم، بل تعدَّاهم
إلى بقية النَّاس مِمَّن لم يخرج، وبقي في المدينة مع رسول الله ﷺ، فقد "استنكر المسلمون على الجيش أن يعود من غير أن ينتصر، وعيَّروا رجاله حتى أحرجوا بعضهم"١.
أخرج الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن أُمِّ سلمة - رضي الله تعالى عنها -:
[٨٧] " أنَّها قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصَّلاة مع رسول الله ﷺ، ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كُلَّما خرج صاح به النَّاس: يا فُرَّار، أفررتم في سبيل الله ﷿! حتَّى قعد في بيته فما يخرج، وكان في غزوة مؤتة مع خالد بن الوليد"٢.
وفي اللحظة المناسبة، يتدخَّل القائدُ البصيرُ المُحَنَّك الذي يدرك معنى النَّصر الحقيقي، ويدرك ظروف وملابسات معركة مؤتة، وما أبداه المسلمون فيها من بسالةٍ، وبطولاتٍ حقيقيةٍ أذهلت أعداءهم.
_________________
(١) ١ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٧. ٢ أخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٤٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه. ووافقه الذهبي. وذكره ابن هشام (سيرة ٤/٣٨٢-٣٨٣) من حديث ابن إسحاق بسنده، عن بعض آل الحارث بن هشام، عن أُمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها، وسنده فيه مبهم. وقد وضَّح الواقدي (مغازي ٢/٧٦٥) في روايته ذلك المبهم، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو فقيه، ثقة، يروي عن أُمِّ سلمة. (تقريب ٦٢٣) .
[ ٣٥١ ]
ويدرك ما قام به خالد والمسلمون من تنظيم انسحابٍ رائعٍ ومنظَّمٍ. يتدخَّل رسولُ الله ﷺ بقوةْ ليرُدَّ عن الجيش البطل الشجاع، ويرُدَّ على تعيير أهل المدينة لهم بالفُرَّار قائلًا:
[٨٨] "ليسوا بالفُرَّار، ولكنَّهم الكُرَّار إن شاء الله تعالى"١.
ويأمر سلمة وغيره مِمَّن تحرَّج من تعيير المسلمين بالخروج إلى الصَّلاة دون حرج، ودون وجل، فهم أبطال كُرَّار على العدوِّ إن شاء الله تعالى، وليسوا فُرَّارًا.
وحتَّى يُرَسِّخ هذه الحقيقة في نفوس الجميع، اجتمع رسولُ الله ﷺ مع الجيش وقائده البطل خالد بن الوليد ﵁، فقام عوف بن مالك الأشجعي ﵁، فقصَّ على النَّبيِّ ﷺ:
[٨٩] "قصة المددي، وما فعل خالد. فقال رسولُ الله ﷺ: "يا خالد! ما حملك على ما صنعت؟ " قال: يا رسول الله! لقد استكثرته. فقال رسولُ الله ﷺ: "يا خالد! رُدَّ عليه ما أخذت منه". قال عوف: فقلت له: دونك يا خالد، ألم أفِ لك؟ فقال رسولُ الله ﷺ: وما ذلك؟ فأخبرته. فغضب رسولُ الله ﷺ: "٢.
[٩٠] "فقال: لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أُمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجلٍ استرعى إبلًا وغنمًا فرعاها ثُمَّ تحيَّن سقيها، فأوردها حوضًا فشرعت فيه، فشربت صفوه وتركت كدره، فصفْوُهُ لكم، وكَدَره عليهم"٣.
_________________
(١) ١ من مرسل عروة، وقد سبق تخريجه برقم [٣١] . ٢ من رواية عوف عند أبي داود، وقد سبق تخريجها برقم [٦٠] . ٣ من رواية عوف عند أبي داود، وقد سبق تخريجها برقم [٦٠] .
[ ٣٥٢ ]
المبحث السادس: حزن النَّبِيِّ ﷺ وأصحابه على قتلى مؤتة:
وهكذا دافع النَّبيّ ﷺ عن خالد وأصحابه، وكرَّمهم في أكثر من مناسبة، ولكنَّه مع ذلك قد وَجِدَ على مَن استشهد منهم، فكما رأينا سابقًا كيف وَصَفَ للنَّاس حادث استشهادهم، وعيناه تذرفان بأبي هو وأُمِّي، - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
كذلك تُحَدِّثنا أُم المؤمنين، أم عبد الله، عائشة - رضي الله تعالى عنها - فتقول:
[٩١] "لَمَّا جاء قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، - ﵃، جلس رسول الله ﷺ يُعْرَفُ فيه الحُزْن، قالت عائشة: وأنا أطَّلِع من صائر الباب - تعني مِن شِقّ الباب - فأتاه رجل، فقال: إي رسول الله! إنَّ نساء جعفر١.. وذكر بكاءهُنَّ، فأمره أن ينهاهُنَّ "٢.
ثُمَّ إنَّ رسولَ الله ﷺ أمر أهله، فقال:
[٩٢] "اصنعوا لأهل جعفر طعامًا فإنَّهم قد جاءهم ما يشغلهم"٣.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر (فتح ٧/٥١٤): يُحتمل أنه يريد زوجاته، ويحتمل أن يريد من يُنسب إليه من النساء في الجملة. وهذا الثاني هو المعتمد، لأنا لا نعرف لجعفر زوجة غير أسماء بنت عميس. ٢ أخرجه البخاري (الصحيح ٥/٨٧) . ٣ أخرج أبو داود، (انظر: عون المعبود، حديث: ٣١١٦) . والترمذي، (انظر: تحفة الأحوذي، حديث: ١٠٠٣) . وابن ماجه، (السنن، حديث: ١٦١٠) . والحاكم، (المستدرك ١/٥٢٧) . والدارقطني، (٢/٧٨-٧٩) . والبيهقي، (السنن ٤/٦١) . والطبراني، (المعجم ٢/١٠٨) . جميعهم من حديث سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وذكر المنذري عن الترمذي أنه قال: "هذا حديث حسن صحيح". قلت: ربما كان ذلك من اختلاف نسخ الترمذي. والله تعالى أعلم. وصحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي. وصحّحه ابن السكن كما في التعليق المغني. (حاشية سنن الدارقطني ٢/٧٩) .
[ ٣٥٣ ]
غَداة مَضَواْ بِالْمُؤْمِنِينَ يَقُودُهُم إلى المَوْتِ مَيْمُون النَّقِيبَةِ أَزْهَرُ٦
أغرٌّ كَضَوْءِ البَدْرِ مِن آلِ هَاشِمٍ أَبِيٌّ إذَا سِيمَ الظَّلامَةَ مُجْسِرُ٧
فَطَاعَنَ حَتَّى مَالَ غَيْرَ مُوَسَّدٍ بِمُعْتَرَكٍ فِيهِ القَنَا مُتَكَسِّرُ٨
فَصَارَ مَعَ المْسْتَشْهِدِينَ ثَوَابه جِنَانٌ وَمُلْتَفُّ الْحَدَائِقِ أَخْضَرُ٩
[ ٣٥٨ ]