في شتاءٍ باردٍ عام ثمانٍ من الهجرة النبوية المباركة، وفي شهر جمادى الآخرة منه - كما حدّده أكثر أهل المغازي١ - بَعَثَ رسولُ الله ﷺ إلى عمرو بن العاص ﵁.
[٢٥] "فقال: خُذ عليك ثيابك وسلاحك ثُمَّ ائتني"٢.
قال عمرو ﵁:
[٢٦] "فأتيته وهو يتوضّأ، فصعّد فيَ النظر، ثُمَّ طَأطأ، فقال: إنّي أُريد أن أبعثك في جيشٍ فيُسَلِّمك الله ويُغَنِّمك، وأرغب لك من المال رغبةً صالحة، قال: قلت: يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال. ولكني أسلمت رغبة في الإسلام، وأن أكون مع رسول الله ﷺ. فقال: يا عمرو! نِعْمَ المال الصّالح للمرء الصالح"٣.
وفي المسجد النبوي الشريف، كما هو المعتاد في مثل هذه الحالة، تَتِمُّ مراسم تولية عمرو بن العاص ﵁ رسميًّا قائدًا على الجيش.
يُحدَّثُنا الحارث بن حسَّان ﵁ قال: قدمت المدينة:
_________________
(١) ١ انظر: الأقوال في تاريخ السرية، في المبحث الثالث من هذا الفصل. ٢ سبق تخريجها برقم: [١٥] . ٣ سبق تخريجها برقم: [١٥] .
[ ٤١٣ ]
[٢٧] "فإذا المسجد غاصّ بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلِّد السيف بين يدي رسولِ الله ﷺ، فقلت: ما شأن النّاس؟ "١.
[٢٨] "قالوا: هذا رسول الله ﷺ يريد أن يبعث عمر بن العاص وجهًا"٢.
وينفرد الواقدي، وابن سعد في تحديد عدد الجيش، فيذكران أنّهم كانوا: "ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعهم ثلاثون فرسًا"٣.
ويسرد الواقدي أسماء بعض المشاركين من المهاجرين والأنصار، وبينما وردت أسماء أخر من خلال سياق الأحداث في جميع الروايات٤.
ويذكر ابن سعد أنّ رسول الله ﷺ عقد لعمرٍ لواءً أبيض، وجعل معه راية سوداء:
[٢٩] "وأمره أن يستعين بمن يَمُرُّ به من بليّ، وعذرة، وبلقين"٥.
[٣٠] "وذلك أنّ أمّ العاص بن وائل كانت امرأة من بليّ، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم يستألفهم لذلك"٦.
[٣١] "فسار الليل وكمن النهار. فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعًا كثيرًا، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمدّه"٧.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [١٦] . ٢ سبق تخريجها برقم: [١٦] . ٣ هذا لفظ ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . (انظر: المبحث الرابع) . ٤ انظر ص: ٥ من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . ٦ من رواية ابن إسحاق عند الطبري. وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٧ أي: يطلب المدد والعون. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] .
[ ٤١٤ ]
[٣٢] "فندب رسول الله ﷺ المهاجرين الأوّلين، فانتدب فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب في سراة المهاجرين، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح، فأمدّ بهم عمرو بن العاص"١. وقال لأبي عبيدة حين وجّهه: "لا تختلفا"٢.
ويذكر الواقدي، وابن سعد: أنّهم كانوا مائتين من سراة المهاجرين والأنصار٣.
[٣٣] "فلمّا قدموا على عمرو قال: أنا أميركم، وأنا أرسلت إلى رسول الله أستمده بكم. قال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك، وأبو عبيدة أمير المهاجرين، فقال عمرو: إنما أنتم مدد أُمْدِدتُ به، فلمّا رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلًا حسن الخُلق، لَيِّن الشكيمة٤، سعى لأمر رسول الله ﷺ عليه، وعهده. قال: يا عمرو إنّ آخر ما عهد إليَّ رسول الله ﷺ أن قال: إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا، وإنّك إن عصيتني لأطيعنّك. فسلّم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص" ٥.
_________________
(١) ١ من رواية موسى بن عقبة. وقد سبق تخريجها برقم: [٨] . ٢ من رواية ابن إسحاق عند الطبري. وقد سبق تخريجها برقم: [١] . ٣ انظر: ص: ٣٤٧. ٤ أي: ليّن الخُلُق، سمحه. ٥ من رواية موسى. وقد سبق تخريجها برقم: [٨] .
[ ٤١٥ ]
[٣٤] وتذكر بعض الروايات١ أنّ ذلك الأمر لم يرق لبعض المهاجرين باعتبار أسبقيتهم للإسلام، ورأوا أن عمرو ﵁ استبدّ بالإمارة دون أبي عبيدة بن الجراّح ﵁، وأنّه دارت مناقشات حول هذا الموضوع، ولكنّ أبا عبيدة ﵁ وبِمّا عُرِفَ عنه من الحكمة والكياسة، استطاع إقناعهم بالحُسنى بأنّه آثر الطاعة والامتثال لأمر النّبيّ ﷺ خشية الفرقة والفتنة بين المسلمين٢.
فأطاع الجيش كله لعمرو بن العاص ﵁، فكان عمرو يُصَلِّي بالناس، وكان الجوّ شاتيًا شديد البرودة في تلك المناطق، ويومًا مّا:
[٣٥] "أصابهم بردٌ شديدٌ، لَمْ يُرَ مثله، فخرج لصلاة الصّبْح فقال: والله لقد احتلمت البارحة، ولكنّي والله ما رأيت بردًا مثل هذا، أهل مرَّ على وجوهكم مثله؟ قالوا: لا. فغسل مغابنه٣ وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمَّ صلَّى بهم". وفي رواية: "فتيمَّم"٤
_________________
(١) ١ انظر رواية الشعبي عند أحمد (المسند ١/١٩٦، ورواية الزهري عند عبد الرّزّاق (المصنَّف ٥/٤٥٢-٤٥٤) . ٢ كان مِمَّا قال أبو عبيدة ﵁: "إن رسول الله ﷺ عهد إليّ وإليه أن لا تتعاصيا، فخشيت إن لم أُطعه أن أعصى رسول الله ﷺ ويدخل بيني وبينه الناس. وإني والله لأطيعنه حتى أقفل". (ابن عساكر: تاريخ: المجلدة الأولى (١/٤٠٥-٤٠٦) . ٣ المغابن: الأرفاغ. وهي بواطن الأفخاذ عند الحوالب. (الجوهري: الصحاح، وابن الأثير: النهاية، مادة: غبن) . ٤ أخرجه أبو داود (انظر: عون المعبود ١/٥٣٢)، والحاكم (المستدرك ١/٢٨٥) وهذا لفظه.
[ ٤١٦ ]
_________________
(١) كلاهما من حديث عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس، مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص ﵁. وقال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية. قال: فيه فتيمم. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والذي عنده أنهما عللاه بحديث جرير بن خازم عن يحيى بن أيوب عن يزيد عن عمران عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص قال: "احتلمتُ في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح، فذكر للنبي ﷺ. فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال. وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ . فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا". ووافقه الذهبي في التلخيص. قلت: أصل الحديث أخرجه البخاري (الصحيح ١/٩٠)، مُعَلَّقًا، وقال ابن حجر (فتح الباري ١/٤٥٤): هذا التعليق وصله أبو داود. (انظر: عون المعبود ١/٥٣٠-٥٣١)، والحاكم (المستدر ١/٢٨٥)، من طريق يحيى بن أيوب عن يزيد ابن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص، ثُمَّ ذكره مثله. وذكر أنَّ سنده قوّي وأنَّ البخاري علَّقه بصيغة التمريض لكونه اختصره ثُمَّ ذكر عن البيهقي (السنن ١/٢٢٦) أنه يمكن الجمع بين الروايات بأنه توضأ، ثُمَّ تيمم عن الباقي.
[ ٤١٧ ]
[٣٦] وكان قبل ذلك قد أصدر أوامره بمنع إشعال النيران في المعسكر لمدّة ثلاثة أيام رغم حاجتهم للتدفئة١، فغضب عمر بن الخطاب ﵁ وقال لأبي بكر:
[٣٧] "لِمَ لَمْ يدَع عمرو الناس أن يوقدوا نارًا ألا ترى إلى هذا الذي منع الناس منافعهم؟.فقال أبو بكر: دعه قائمًا، ولاّه رسول الله ﷺ علينا لعلمه بالحرب"٢. "فهدأ عمر ﵁ "٣.
وتشير بعض الروايات بأنّ المسلمين:
[٣٨] "لقوا العدوّ فهزموهم"٤.
_________________
(١) ١ ذكره الهيثمي (مجمع ٥/٣١٩) وعزاه الطبراني، وقال: رواه بإسنادين، ورجال الأوّل رجال الصحيح. قلت: لم أجده في المطبوع من المعجم فلعلّه من الجزء المفقود منه. والله تعالى أعلم. ٢ أخرجه ابن أبي شيبه (المصنف ١٢/٥٣١) عن عبد الله بن بريدة الأسلمي، وهو ثقة. (تقريب٢٩٧)، وسند الحديث إليه صحيح. لكنّه مرسل. فعبد الله لم يدرك الواقعة. ٣ من رواية بريدة عند الحاكم. وقد سبق تخريجها برقم: [٢٢] . ٤ أخرجه ابن حبان (انظر: الإحسان، حديث ٤٥٢٣)، من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن عمرو بن العاص ﵁. وسنده حسن. لأنَّ فيه الحسن بن حماد الخضرمي صدوق. (التقريب ص ١٦٠) . وبقية رجاله ثقات. وذكر ابن حجر (فتح الباري ٧/٢٦) أنه أخرجه ابن خزيمة، ولم أجده في المطبوع من صحيح ابن خزيمة. فلعلّه من الجزء المفقود منه. والله تعالى أعلم.
[ ٤١٨ ]
بينما يُفصِّل الواقدي، وابن سعد الحديث عن ذلك، فيذكر أنّ عمرو بن العاص ﵁:
[٣٩] "سار حتّى وطئ بلاد بليّ ودوخها حتى أتى إلى أقصى بلادهم، وبلاد عذرة وبلقين"١.
ويمكن تأويل روايةالطبراني عن رافع الطائيرضي الله عنهأنّ المسلمين انطلقوا:
[٤٠] "حتّى نزلوا جبل طئ، فقال عمرو: انظروا إلى رجلٍ دليلٍ بالطريق، فقالوا: ما نعلمه إلاّ رافع بن عمرو، فإنّه كان ربيلًا في الجاهلية"٢٣. - بإمعان المسلمين في طلب القوم حتّى وصلوا إلى تلك المنطقة البعيدة نسبيًا عن المنطقة المحدَّدة سلفًا لعمليات السّرية، ويُشير إليه طلب القائد البحث عن دليل بالطريق - ثُمَّ إنّهم لقوا:
[٤١] "في آخر ذلك جمعًا فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد وتفرّقوا"٤.
فنهاهم عمرو ﵁.
[٤٢] "أن يتبعوا العدوّ مخافة أن يكون لهم كمين من وراء الجبل"٥.
_________________
(١) ١ لفظ ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . وانظر: مغازي الواقدي ٢/٧٧١. ٢ أي: كان لِصًّا في الجاهلية. ٣ سبق تخريجها برقم: [١١] . ٤ من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] . ٥ أخرجه ابن أبي شيبه (المصنف ١٢/٥٣١)، عن قيس بن أبي حازم، ثقة. مخضرم. (تقريب ٤٥٦) . والسند إليه صحيح لكنّه مرسل. ومراسيل قيس من أقوى المراسيل. (الموقوظة ٢٦) . وهو يروي عن عمرو بن العاص. (تهذيب ٤/٥٦١) .
[ ٤١٩ ]
وتشير رواية الزهري أنّهم:
[٤٣] "أسروا ناسًا كثيرين من العرب"١.
ويبدو أنّ نتيجة ذلك الإمعان في طلب العدوّ وتقصّيهم حتّى آخر بلادهم، نفذ تموين الجيش، يقول عوف بن مالك الأشجعي ﵁:
[٤٤] "فأصابتنا مخمصة٢ شديدة فانْطَلقتُ ألتمس المعيشة فالتَقَيتُ قومًا يريدون أن ينحروا جزورًا لهم، فقلت: إن شئتم كفيتكم نحرها وعملها وأعطوني منها، ففعلتُ فأعطوني منها شيئًا فصنعته، ثُمّ أتيت عمرو بن العاص فسألني مِن أين هو؟ فأخبرته. فقال: أسمعك قد تعجّلت أجرك، وأبى أن يأكله، ثُمّ أتيت أبا عبيدة بن الجرّاح فأخبرته، فقال لي مثلها، وأبى أن يأكله، فلمّا رأيت ذلك تركتها"٣.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم: [٩] . ويذكر البلاذري (أنساب ٣٨١) ن أنّ عمرو بن العاص ﵁ لقي من العدوّ من قضاعة، وعاملة، ولخم، وجذام، وكانوا مجتمعين، ففضهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة. ٢ أي: جوع شديد. ٣ أخرجه البيهقي (الدلائل ٤/٤٠٥) . وهذا لفظه من حديث سعيد بن أبي أيوب وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط عن مالك بن هدم عن عوف بن مالك ﵁. وسنده فيه ربيعة بن لقيط وثَّقه العجلي وابن حبان. وذكره ابن أبي حاتم ولم يقل شيئًا. (ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٣/٤٧٥، وابن حبان: الثقات ٤/٢٣٠، وابن حجر: تعجيل المنفعة ص ٨٨-٨٩) . ومالك بن هدم وثَّقه ابن حبان فقط. وذكره البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يقولا عنه شيئًا. (البخاري: التاريخ ٧/٣٠٧، وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٨/٢١٧، وابن حبان: الثقات ٥/٣٨٥) . وابن لهيعة، وحديثه مقرون. وبقية رجاله ثقات. وله متابعة ذكره ابن هشام (السيرة ٤/٦٢٥-٦٢٦)،والبيهقي (الدلائل٤/٤٠٤)، وابن كثير (البداية والنهاية ٤/٢٧٤)، جميعهم من طريق ابن إسحاق. أخبرني يزيد بن أبي حبيب أنّه حُدّث عن عوف بن مالك ﵁، فذكره نحوه. قال ابن كثير: هكذا رواه ابن إسحاق عن يزيد بن حبيب عن عوف بن مالك، وهو منقطع، بل معضل. وقال البيهقي: قصد بإسناده محمَّد بن إسحاق، رواه سعيد بن أبي أيوب وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط. أخبره عن مالك بن هدم، أظنه عن عوف بن مالك، ثُمّ ذكر الحديث.
[ ٤٢٠ ]
وبعد أن أدّت السرية مهمّتها على أكمل وجهٍ، رجع عمرو بن العاص ﵁ بالجيش قافلًا إلى المدينة، وكان قد:
[٤٥] "بعث عوف بن مالك الأشجعي بريدًا إلى رسول الله ﷺ يبشّره بما فتح الله عليهم"١.
قال عوف:
[٤٦] "فلمّا قفل الناس من ذلك السفر كنت أوّل قادم على رسول الله ﷺ فجئته وهو يصلّي في بيته. فقلت: السلام عليك يا رسول الله
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد. وقد سبق تخريجها برقم: [٣] .
[ ٤٢١ ]
ورحمة الله وبركاته"١.
[٤٧] "قال: صاحب الجزور، ولم يزد عليَّ شيئًا"٢. وتلك معجزة من رسول الله ﷺ، فقد ذكر له خبر الجزور، قبل أن يتكلم ويخبره عن خبرهم في تلك السّرية.
وأثناء عودة الجيش إلى المدينة، وفي الطريق أراد رافع الطائي ﵁ - دليل المسلمين في السرية - أن يصحب رجلًا صالحًا من أفرادها ينفعه الله به، فتوسّم في أبي بكر الصّدّيق ﵁ خيرًا، فصحبه، يقول رافع:
[٤٨] "فوفّق لي أبو بكر فكان يُنَيِّمني على فراشه، ويلبسني كساء له من أكسية فدك"٣.
_________________
(١) ١ رواه ابن إسحاق (ابن هشام: سيرة ٤/٦٢٥-٦٢٦) . وأخرجه ابن كثير عن ابن إسحاق (البداية ٤/٢٧٤) . وقال: هكذا رواه محمّد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب، عن عوف بن مالك، وهو منقطع، بل معضل. كما أخرجه البيهقي (دلائل ٤/٤٠٤)، عند أيضًا. وقال: قصّر بإسناده محمّد بن إسحاق. ورواه سعيد بن أبي أيوب، وابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط، أخبره عن مالك بن هرم، أظنه عن عوف بن مالك، ثُمّ ذكر الحديث. قلت: ورجاله ثقات ما عدا مالك بن هرم، وثّقه ابن حبان فقط. (الثقات٥/٣٨٥) . ٢ سبق تخريجها برقم: [٤٤] . ٣ أخرجه ابن خزيمة، كما ذكر ابن حجر (إصابة ١/٤٩٧) . من طريق طلحة بن مصرّف عن سليمان، عن طارق بن شهاب، عن رافع الطائي. قلت: وسنده رجاله ثقات. سليمان؛ هو: ابن ميسرة الأحمسي، وثّقه العجلي ويحيى ابن معين والنسائي وابن حبان.
[ ٤٢٢ ]
[٤٩] "فلمّا دنونا من المدينة قافلين قال: قلت: يا أبا بكر! إنّما صحبتك لينفعني الله بك، فانصحني وعلّمني. قال: لو لم تسألنِ ذلك لفعلت"١.
[٥٠] "قال: أتحفظ أصابعك الخمس؟ قلت: نعم. قال: تشهد ألاّ إله إلاّ الله، وأن محمّدًا عبده ورسوله، وتقيم الصلوات الخمس، وتؤتي الزكاة إن كان لك مال، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان. حفِظت؟ قلت: نعم. قال: وأخرى لا تُؤَمَّرَنَّ على اثنين. قلت: هل تكون الإمرة إلاّ فيكم أهل بدر؟ قال: يوشك أن تفشو حتّى تبلغك ومَن هُو دونك، إنّ الله لَمَّا بعثَ نبيَّه ﷺ دخل الناس في الإسلام، فمنهم من دخل فهداه الله، ومنهم مَن أكرهه السيف، فهم عوّاذ الله٢، وجيران الله في خفارة الله٣، إن الرجل إذا كان أميرًا فتظالم الناس بينهم فلم يأخُذ لبعضهم من بعض، انتقمَ الله منه. إنّ الرجل لتُؤخذ شاة جاره فيظل ناتئ عضلته٤ غضبًا والله من وراء جاره"٥.
_________________
(١) ١ ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٦٢٤-٦٢٥)، عن ابن إسحاق الذي رواه بلاغًا. وهو منقطع، ولكن يشهد له حديث ابن خزيمة السابق، وحديث الطبراني الذي سبق تخريجها برقم: [١١] . ٢ أي: في عصمة الله ومنعه. ٣ أي: في حراسة الله ﵎. ٤ أي: بارزًا عصب وجهه وحلقه، كنّى بذلك عن شدّة الغضب فإنه يبلغ من الشخص هذا المبلغ. والعضلة: هي كلّ لحمة مكتنزة غليظة. ٥ من رواية رافع عند الطبراني. وقد سبق تخريجها برقم: [١١] .
[ ٤٢٣ ]
[٥١] "قال: ففارقته على ذلك"١. فلمّا قدموا على النّبيّ ﷺ:
[٥٢] "سأل رسول الله ﷺ كيف وجدتم عمرًا وصحابته لكم، فأثنوا عليه خيرًا، وقالوا: يا رسول الله! صلّى بنا وهو جنب، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو فسأله، فأخبره بذلك وبالذي لقي مِنَ البرد، فقال: يا رسول الله! إنّ الله قال: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ . [سورة النساء، الآية: ٢٩] . ولو اغتسلت مُت. فضحك رسول الله ﷺ إلى عمرو"٢.
[٥٣] كما ذكروا للنّبيّ ﷺ ما صنعه عمرو بن العاص ﵁ من منعه إيّاهم إشعال النيران في معسكرهم رغم البرد الشديد، وحاجتهم للنار في التدفئة، ومنافعهم الأخرى، وشكوا إليه - أيضًا - منعه إيّاهم إتباع العدوّ رغم هزيمته وفراره٣.
[٥٤] "فقال: يا رسول الله إنّي كرهت أن آذن لهم أن يوقدوا نارًا فيرى عدوّهم قِلتّهم، وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعطفوا عليهم، فحمد رسول الله ﷺ أمره. فقال: يا رسول الله!
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق بلاغًا. وقد سبق تخريجها برقم: [٤٩] . ٢ من رواية أبي قيس مولى عمرو بن العاص عند الحاكم. وقدسبق تخريجهابرقم: [٣٥] . ٣ انظر: رواية الطبراني عند الهيثمي (مجمع ٥/٣١٩)، ورواية ابن أبي شيبه (المصنف ١٢/٥٣١)، ورواية ابن حبان (كتاب السير، حديث ٤٥٢٣)، والحاكم (المستدرك ٣/٤٥)، وقد سبق تخريجها جميعًا.
[ ٤٢٤ ]
من أحبّ الناس إليك؟ قال: لِمَ؟ قال: لأُحبَّ مَنْ تُحبّ. قال: عائشة. قال: من الرجال؟ قال: أبو بكر"١.
قال عمرو ﵁:
[٥٥] "قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. فعدّ رجالًا فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم"٢.
_________________
(١) ١ من رواية عمرو بن العاص ﵁ عند ابن حبان. وقد سبق تخريجها برقم: [٣٨] . ٢ أخرجه البخاري (الصحيح ٤/١٩٢، ٥/١١٣)، بسنده عن أبي عثمان الهندي. قال ابن حجر: هذا صورته مرسل. بل جزم الإسماعيلي بأنه مرسل. لكن الحديث موصول لقوله بعد ذلك: "قال: فأتيته"، فإنّ المراد: قال عمرو بن العاص، وأبو عثمان سمع من عمرو بن العاص. وقد أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، والإسماعيلي من رواية وهب بن بقية، ومعلي ابن منصور، كلهم عن خالد بن عبد الله بالإسناد الذي أخرجه البخاري (فتح الباري ٨/٧٥) . قلت: وقد أخرجه مسلم (الصحيح ٥/٩) وأحمد (المسند، حديث: ١٧٧٧)، موصولًا عن أبي عثمان، عن عمرو بن العاص. وذكره بنحوه.
[ ٤٢٥ ]