اختلف أهل المغازي حول نتيجة مؤتة اختلافًا كبيرًا، وثمرة هذا الخلاف ثلاثة أقوال:
[٨٣] القول الأوَّل: إنَّ المسلمين هَزموا الروم هزيمة منكرة في مؤتة.
وهذا القول أشار إليه الزهري، فيما رواه عنه الطبراني١، ونقله عنه ابن هشام بلاغًا٢، وهو اختيار موسى بن عقبة٣، ورواه ابن عائذ بسنده عن العطَّاف بن خالد٤، ورجَّحه البيهقي٥، وابن كثير٦.
_________________
(١) ١ سبق تخريج رواية الزهري برقم [٢] . ٢ انظر: (ابن هشام: سيرة ٤/٣٨٣) . ٣ سبق تخريج رواية موسى بن عقبة برقم [٢]، ويلاحظ على رواية موسى أنَّها مطابقة تمامًا لرواية الزهري، مِمَّا يُعْطِي انطباعًا أنه رواها عنه. والله تعالى أعلم. ٤ سبق تخريجه برقم [٧١] . ٥ قال البيهقي (دلائل ٤/٣٧٥): قد اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، منهم مَن ذهب إلى ذلك، ومنهم مَن زعم أنَّ المسلمين ظهروا على المشركين وانهزم المشركون، وحديث أنس بن مالك عن النَّبيّ ﷺ: "ثُمَّ أخذها خالد ففتح عليه"، يدل على ظهوره عليهم. والله تعالى أعلم بالصواب. ٦ قال ابن كثير (البداية ٤/٢٤٩-٢٥٠) بعد أن ساق حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه: "وهذا يقتضي أنَّهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم، وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدَّم فيما رواه البخاري أنَّ خالدًا ﵁ قال: اندقَّت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلاَّ صفحة يمانية. وهذا يقتضي أنَّهم أثخنوا فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلُّص منهم. هذا وحده دليلٌ مستقلٌّ، وقد ذكر ابن إسحاق: أنَّ قطبة بن قتادة العذري – وكان رأس ميمنة المسلمين - حمل على مالك بن زافلة، ويقال: رافلة، وهو أمير أعراب النصارى فقتله، وقال يفتخر بذلك: طعنت بن رافلة الأراشي برمحٍ مضى فيه ثُمَّ انحطم فذكر شعره إلى أن قال: وسقنا نساء بني عَمِّه غداة رقوقين س وق النعم وهذا يؤيد ما نحن فيه، لأنَّ مِن عادة أمير الجيش إذا قُتِلَ أن يفرَّ أصحابه، ثُمَّ إنه صرَّح في شعره بأنَّهم سبوا من نسائهم. وهذا واضح فيما ذكرناه. والله أعلم.
[ ٣٤٢ ]
٨٤] القول الثاني: إنَّ الروم هم الذين هَزموا المسلمين.
وجزم به الواقدي١، وكاتبه ابن سعد٢، وقال به طائفة من المستشرقين٣، ومن تبعهم من المستغربين وغيرهم من بعض الباحثين
_________________
(١) ١ ذكر الواقدي (مغازي ٢/٧٦٣-٧٦٤) خمس روايات تُدَلِّل على هزيمة خالد بالناس. ثُمَّ قال - مُعَلِّقًا على روايةٍ ذكرها حول اشتداد المعركة حينما أخذ خالد ابن الوليد رضي الله تعالى عنه الراية-:والأول أثبت عندنا أنَّ خالدًا انهزم بالناس. قلت: وهذا خلاف ما نقله عنه ابن كثير (البداية ٤/٢٤٩) من أنه اختار الرأي الأوَّل. والله تعالى أعلم. ٢ قال ابن سعد (الطبقات ٢/١٢٩) في روايته: "فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ اللواء، وانكشف الناس، فكانت الهزيمة". ٣ انظر مثلًا ما قاله (لانكستر هاردنج: آثار الأردن ١٣٣، وجان جلوب: الفتوحات العربية ١٣٦) . وانظر: East Of The Jordan، By: Fr.Eng - Enehoade، Page: ١٨٥
[ ٣٤٣ ]
[المعاصرين١.
[٨٥] القول الثالث: انسحاب خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه بالمسلمين - بعد تولِّيه القيادة - من ميدان المعركة بعد قتالٍ قويّ ومرير، ثُمَّ إحجام الروم عن مهاجمة المسلمين بعد خطَّته الإيهامية الذكية بتغييره مراكز الجيش، ومِن ثَمَّ انسحاب كُلّ طرف عن الآخر دون قتال.
وهذا القول وردت به رواية حسنة إلى شاهد عيان من المعركة٢، وهو اختيار محمَّد بن إسحاق٣، ورواه ابن عائذ بسنده عن
_________________
(١) ١ انظر: بولس سلمان: خمسة أعوام في شرق الأردن ٢١٠، وجورجي زيدان: تاريخ التمدُّن الإسلامي ٦١، ومحمَّد لطفي جمعة: ثورة الإسلام ١٠١٦، وإبراهيم العدوي: الامبراطورية البيزنطية ٣٧، وعمر فرُّوخ: تاريخ صدر الإسلام ٦٩، ورشيد الجميلي: تاريخ العرب في الجاهلية ٣٢٤ نقلًا عن الدكتور العتوم، تجربة مؤتة: ١٥٩-١٦١. ٢ من رواية عبَّاد بن عبد الله، عن أبيه من بني مرَّة، وقد سبق تخريجها برقم [٥١] . ٣ استدلَّ ابن إسحاق على رأيه بشعر أحد شهود المعركة، وهو قيس بن المسحر اليعمري، الذي قال فيه: وقفت بها مستجيرًا فنافذًا ولا مانعًا من كان حُمَّ به القتلُ على أنَّني آسيت نفسي بخالدٍ ألا خالدٌ في القومِ ليس له مثلُ قال ابن إسحاق: فبيَّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره، أنَّ القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقَّق انحياز خالد بمن معه. انظر (ابن هشام: سيرة ٤/٣٨٣) .
[ ٣٤٤ ]
رجلٍ من بني سلامان١، وابن عبد البر٢، وابن حزم٣، وابن سَيّد النَّاس٤، ورجَّحه ابن القيم٥، واعتمده معظم المؤرِّخين المعاصرين. وهذا القول وسط بين القولين السابقين، وهو الراجح فيما يبدو لي لعدَّة اعتبارات، فهو قول غالبية أهل المغازي كما رأينا.
كما أنَّ القول بهزيمة المسلمين غير صحيح لثلاثة أُمور:
أولًا: الروايات في ذلك ضعيفة، فهي عن الواقدي، وتلميذه ابن سعد الذي يعدّ في غالب الظَّن ناقلًا عن شيخه، والواقدي متروك خاصّةً إذا انفرد. ورواية أبي موسى التي ذكرها ابن سعد ضعيفة أيضًا.
ثانيًا: مخالفة هذه الروايات لرواية الصحيح، وقول النَّبيّ ﷺ فيه: ففتح الله عليهم.
ثالثًا: قلة قتلى المسلمين في المعركة، وعدم وقوع أسرى منهم في أيدي العدو، وكل ذلك يخالف ما يكون عليه المنهزم عادةً في المعركة.
أيضًا القول بهزيمة الروم وحلفائهم في المعركة، غير صحيح، لثلاثة أسباب:
_________________
(١) ١ سبق تخريجه برقم [٤] . ٢ الدرر ٢٢٣. ٣ جوامع السيرة ٢٢٢. ٤ عيون الأثر ٢/٢٠١. ٥ قال ابن القيم (زاد ٢/١٥٦): والصحيح ما ذكره ابن إسحاق أنَّ كُلَّ فئة انحازت عن الأُخرى.
[ ٣٤٥ ]
أولًا: لو أنَّ المسلمين هَزموا الروم وحلفاءهم في مؤتة، لاشتهر ذلك، وذاع صيته، ولتواتر تواترًا يُؤمن بجانبه الكذب، وبخاصّةً أنَّ أوَّل مواجهة قتالية بين المسلمين والروم كما كانت بدر أوَّل مواجهة قتالية بين المسلمين والمشركين، وقد تواترت نتيجتها، وذاع صيتها، وبلغ صداها أرجاء الجزيرة العربية.
ثانيًا: وقوع عدد كبير من الأسرى في أيدي المسلمين، وذلك ما لم تذكره الروايات.
ثالثًا: طرد الروم وحلفائهم من المناطق التي كانت خاضعة لسلطانهم في منطقة مؤتة، وما حولها، وإخضاعها لنفوذ المسلمين، وذلك لم يحدث، حيث استمر الروم وحلفاؤهم في المنطقة يُشَكِّلون تهديدًا للمسلمين، بدليل بَعْث النَّبِيِّ ﷺ سرايا وبُعُوث إلى تلك المنطقة بعد مؤتة، ثُمَّ مسيره ﷺ بنفسه على رأس جيش العُسْرة إلى تبوك.
إذًا القول الراجح: هو أنَّ سيف الله المسلول، خالد بن الوليد ﵁ قام "بعملية انسحاب بارعة دلَّت على مهارته الحربية الفائقة"١.
ولقد "كانت عملية التراجع والانسحاب التي قام بها خالد بن الوليد في أثناء معركة مؤتة من أكثر العمليات في التاريخ العسكري مهارةً ونجاحًا"٢.
_________________
(١) ١ با شميل: غزوة مؤتة ٢٦١. ٢ ياسين سويد: معارك خالد بن الوليد ١٧١.
[ ٣٤٦ ]
"ومثل هذا التدبير من خالد، ليس بالعمل الميسور الذي يستطيعه كُلّ قائد، بل هو عمل عظيم جسيم يتطلَّب مهارةً وحزمًا، ورباطة جأش، وثقةً بنصر الله، وكثيرًا ما عرف التاريخ قُوَّادًا عِظامًا كان السر في شهرتهم إنجاء جيوشهم من مثل هذا الموقف الحرج الذي لو اختلَّ أقل تدبير فيه لفني الجيش"١، ولكن خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - كان له قصب السِّبْق في ذلك، فعلى الرغم من ضغط القوَّات المتحالفة على المسلمين بشدَّة، وكثرة كاثرة، استطاع ذلك البطل أن ينظم انسحابًا قويًا ناجحًا دون أدنى خسائر تُذْكَر، مع الإثخان في العدو، وهو أمر يخالف ما جرت به العادة من أنَّ المنسحِب هو الذي في الغالب يتكبَّد الخسائر، فلمَّا صار العكس وأفلت خالد - رضي الله تعالى عنه - بجيشه من قبضة العدوّ رغم تشديدهم الضغط عليهم، اعتبره المصطفى ﷺ فتحًا، بل نصرًا مؤزَّرًا، استحق عليه اللقب الذي قلَّده إياه القائد الأعلى للقوَّات الإسلامية، وهو الذي شاهد أحداث المعركة عِيانًا بواسطة النقل الإلهي.
"ولقد عرف له الرسولُ ﷺ حسن تدبيره"٢، "ونجاحه في الانسحاب بجيشه بانتظام دونما خسارة تذكر"٣، "فلقَّبه سيف الله وهو وسام لم يمنحه أحَد من الصحابة"٤، "بل هو أوَّل وسام يمنح لقائد في
_________________
(١) ١ أبو زيد شلبي: خالد بن الوليد ٦٤. ٢ أبو زيد شلبي: خالد بن الوليد ٦٤. ٣ با شميل: غزوة مؤتة ٢٦١. ٤ أبو زيد شلبي: خالد بن الوليد ٦٤.
[ ٣٤٧ ]
تاريخ الإسلام"١، بل في التاريخ البشري عامة، "ولعلَّ الرسولَ ﷺ كان أسبق من غيره، في تقدير القوَّاد العِظام"٢. "ولعمري مهما أجاد الإنسان في وصفه ومدحه، فلن يصفه بأحسن ولا بأوفى مِمَّا وصفه به رسولُ الله ﷺ "٣.
لقد "مضى خالد بلقب سيف الله في مؤتة، والذين يدَّعون ذلك كثيرون، أمَّا الذي يملك الشهادة من رسولِ الله ﷺ وحده في الدُّنيا هو خالد بن الوليد"٤. أخرج الحاكم، وصحَّحه، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي أوفى: "أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: لا تُؤذوا خالدًا، فإنه سيفٌ من سيوفِ الله صبَّه على الكُفَّار"٥.
"إنَّ الجماعة المسلمة بحاجةٍ أنْ تُفْقَه معادن الرجال، وتضع الرجال في مواضعهم وهي تخوض معركتها مع العدوّ"٦.
_________________
(١) ١ با شميل: غزوة مؤتة ٢٦١. ٢ أبو زيد شلبي: خالد بن الوليد ٦٤. ٣ المصدر السابق. ٤ منير غضبان: فقه السيرة ٥٤٦. ٥ المستدرك ٣/٣٣٨. ٦ منير غضبان: فقه السيرة ٥٤٦.
[ ٣٤٨ ]