لَم يُحَدِّد عدد الجيش غير الواقدي، وكاتبه ابن سعد في روايته: حيث قالوا:
[١٨] وبعثه في ثلثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، ومعه ثلاثون فرسًا وأمره أن يستعين بمن يمرّ به من بليّ وعذرة وبلقين، فسار الليل وكمن النهار، فلمّا قرب من القوم بلغه أنّ لهم جمعًا كثيرًا، فبعث رافع١ بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجرَّاح في مائتين، وعقد له لواءً وبعث معه سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر"٢.
[١٩] وذكر الواقدي مثله، إلاّ أنه سمَّى بعض أفراد الجيش، فمن المهاجرين: عامر٣ بن ربيعة، وصهيب٤ بن سنان، وسعيد٥ بن
_________________
(١) ١ رافع بن مكيث - بفتح الميم وكسر الكاف - (صحابي) شهد الحديبية والفتح ومعه لواء جهينة. (تقريب ٢٠٥) . ٢ سبق تخريجها برقم: [٣] . ٣ عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنْزي - بسكون النون - حليف آل الخطاب (صحابي مشهور) أسلم قديمًاوهاجروشهدبدرًا. مات ليالي قتل عثمان. (تقريب٢٨٧) . ٤ صُهيب بن سنان أبو يحيى الرومي، أصله من النمر، يُقال كان اسمه عبد الملك، وصهيب لقب (صحابي شهير) مات بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين في خلافة عليّ. وقيل: قبل ذلك. (تقريب ٢٧٨) . ٥ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي (أحد العشرة) مات سنة خمسين أو بعدها بسنة أو سنتين. (تقريب ٢٣٦) .
[ ٤٠٦ ]
زيد بن عمرو بن نفيل، وسعد١ بن أبي وقاص، ومن الأنصار: أُسيد٢ بن حضير، وعبَّادة٣ بن بشر، وسلمة٤ بن سلامة، وسعد٥ بن عبادة.
وورد عنده اسم رافع الطائي، وعوف بن مالك الأشجعي، ورافع ابن مَكِيث الجهني، من خلال سياق الأحداث، بينما لم تحدِّد بقية الروايات عدد الجيش، وإنّما تردَّد فيها أسماء بعض المشاركين في السّرية، مثل أبي
_________________
(١) ١ سعد بن أبي وقاص، مالك بن وهيب الزهري، أبو إسحاق. (أحد العشرة) . وأوّل مَن رمي بسهمٍ في سبيل الله. ومناقبه كثيرة، مات بالعقيق سنة خمسٍ وخمسين على المشهور. وهو آخر العشرة وفاة. (تقريب ٢٣٢) . ٢ أُسيد بن حُضَير - بضم المهملة وفتح الضاد المعجمة - ابن سماك الأنصاري الأشهلي، أبو يحيى (صحابي جليل) مات سنة عشرين، أو إحدى وعشرين. (تقريب ١١٢) . ٣ عبّادة بن بشر بن وَقَش - بفتح الواو والقاف - الأنصاري (من قدماء الصحابة)، أسلم قبل الهجرة، وشهد بدرًا وأبلى يوم اليمامة فاستشهد بها. (تقريب ٢٨٩) . ٤ سلمة بن سلامة بن وَقَش بن زغبة الأنصاري الأشهلي، ذكره ابن إسحاق وابن عقبة وغيرهما في (أهل العقبة وبدر) مات سنة أربع وثلاثين. وقيل: بل تأخر إلى سنة خمسٍ وأربعين، ومات بالمدينة. (إصابة ٢/٦٥) . ٥ سعد بن عبادة بن دُلَيم الأنصاري الخزرجي، (أحد النقباء، وسيد الخزرج، وأحد الأجواد)، وقع في صحيح مسلم أنّه شهد بدرًا، والمعروف عند أهل المغازي أنّه تهيّأ للخروج فنُهِشَ فأقام، مات بأرض الشام سنة خمس عشرة. وقيل: غير ذلك. (تقريب ٢٣١) .
[ ٤٠٧ ]
بكر الصّديق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، والمغيرة١ بن شعبة، ورافع الطائي، وعوف بن مالك، - ﵃ أجمعين.
أمّا قائد الجيش، فقد ورد في رواية الزهري السابقة:
[٢٠] أنّ رسول الله ﷺ بعث بعثين إلى كلب، وغسَّان، "وأمّر على أحد البعثين أبا عبيدة بن الجرّاح، وأمّر على البعث الآخر عمرًا ابن العاص، فانتدب في بعث أبي عبيدة أبا بكر وعمر، فلمّا كان عند خروج البعث دعا رسول الله ﷺ أبا عبيدة وعمرًا، فقال: لا تعاصيا، فلمّا فصلا من المدينة خلا أبو عبيدة بعمرو، فقال له: إنّ رسول الله ﷺ عهد إليَّ وإليك أن لا تعاصيا، فإمّا أن تطيعني، وإمّا أن أطيعك. فقال: لا بل أطعني، فأطاع أبو عبيدة، وكان عمرو أميرًا على البعثين كليهما"٢.
وذكر الشعبي في روايته:
[٢١] أنّه بعثٌُ واحدٌ مقسومٌ قسمين: مهاجرين، وأعراب، وأنّ رسول الله ﷺ استعمل "أبا عبيدة على المهاجرين، واستعمل عمر بن العاص على الأعراب"٣.
_________________
(١) ١ المغيرة بن شعبة بن مسعود الثقفي (صحابي مشهور) أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة والكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح. (تقريب ٥٤٣) . ٢ سبق تخريجها برقم: [٩] . ٣ سبق تخريجها برقم: [١٠] .
[ ٤٠٨ ]
وذلك وهمٌ غير محفوظ، فالمعروف من روايات أهل المغازي الآخرين، كعروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، وابن سعد، والواقدي، وغيرهم، أنّ قائد السرية ابتداءً كان عمرو بن العاص ﵁، وأنّ أبا عبيدة بن الجرّاح ﵁ أُرْسِلَ مددًا له فيم بعد على رأس المهاجرين، وفيهم أبو بكر الصّدّيق ﵁ وعمر بن الخطاب ﵁، وأنّ أبا عبيدة سلّم القيادة بعد ذلك لعمرو خشية الفرقة بين المسلمين، تنفيذًا لأمر القائد الأعلى للمسلمين رسول الله ﷺ.
وربّما دخل الوهم على أحد رواة الحديثين السابقين١، لأنّه لم يتصوّر أن يتأمّر عمرو بن العاص وهو أقلّ سابقة على المهاجرين الأوّلين، أمثال أبي بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطاب، وأبي عبيدة بن الجرّاح، - رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فاختلط عليه الأمر فجعلهما جيشين بقائدين أُرْسِلا معًا في وقتٍ واحدٍ.
وما عُرِفَ عن رسول الله ﷺ من الدِّقّة في التنظيم والحرص الشديد دائمًا على عملية الضبط العسكري والانضباط بين جنوده في جيوشه وبعوثه وسراياه، وعدم تركه المجال للاختلافات المؤدية للفوضى والفشل واحتمالات الخطأ والصواب، كلّ ذلك يجعلنا نستبعد فرضية حدوث مثل ذلك الأمر. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ ربّما كان الوهم في رواية الزهري من ابن لهيعة، الذي اختلط بعد احتراق كتبه، أو من يونس بن يزيد حيث إنّ في روايته عن الزهري وهم قليل، وربّما دخل الوهم في رواية الشعبي من داود بن أبي هند القشيري مولاهم (ثقة متقن) كان يهم بآخره. (تقريب ٢٠٠) . والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ٤٠٩ ]
وكونه ﷺ يولي قيادة الجيش مَن هو أقلّ سابقة وفضلًا من الصحابة، فذلك لا يدلّ على أنّه أفضل منهم، ولكنّه ربّما رأى ﵇ بثاقب بصر العسكري المُحَنَّك أنّه أعلم منهم في الحرب ومكائدها.
أخرج الحاكم بسنده عن بريدة الأسلمي١ ﵁ قال:
[٢٢] "بعث رسول الله ﷺ عمر بن العاص في غزوة ذات السلاسل، وفيهم أبو بكر، وعمر - ﵄، فلمّا انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارًا، فغضب عمر، وهمّ أن ينال منه، فنهاه أبو بكر ﵁ وأخبره أنّه لم يستعمله رسولُ الله ﷺ عليك إلاّ لعلمه بالحرب " الحديث٢.
_________________
(١) ١ بريدة بن الحُصَيْب - بمهملتين مصغّرًا - أبو سهل الأسلمي (صحابي) أسلم قبل بدر ومات سنة ثلاثٍ وستّين. (تقريب ١٢١) . ٢ أخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٤٥)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص". قلت: سنده فيه محمّد بن عبد الجبار العطاردي، ضعيف. وسماعه للسيرة صحيح. (تقريب ٨١)، ويونس بن بكير، صدوق يخطئ (تقريب ٦١٣) . كذلك فيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلّس، فكيف يُحْكَم عليه بالصّحّة؟ !. كما أخرجه البيهقي (سنن ٩/٤١)، من حديث يونس بن بكير، عن المنذر بن ثعلبة، عن عبد الله بن يزيد ﵁ به نحوه. قلت: الناظر في سنده هكذا يظن أنّ الحديث موصول، لكن المنذر بن ثعلبة من الطبقة السادسة (تقريب ٥٤٦)، فكيف يدرك الصحابي عبد الله بن يزيد ﵁، حيث يذكر ابن حجر أنّ أهل الطبقة السادسة لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. (تقريب ٤٢) . وأعتقد أنّه قد تصحّف اسم (عبد الله بن بريدة) إلى (عبد الله بن يزيد) على أحد نُسَّاخ السنن فوهم فيه فجعله عن الصحابي، بينما هو عن التابعي، خاصّة وأنّ البيهقي أخرجه في (الدلائل ٤/٤٠٠)، من طريق المنذر، عن عبد الله بن بريدة موقوفًا عليه. وطبعة السنن المتداولة تفتقر إلى الضبط والإتقان، وفيها تصحيفات كثيرة. والله تعالى أعلم. والحديث عزاه الزرقاني (شرح٢/٢٧٩) إلى إسحاق بن راهوية.
[ ٤١٠ ]
كما أخرج البيهقي من حديث يونس، عن أبي معشر١، عن بعض مشيختهم:
[٢٣] "أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّي لأُؤَمِّر الرجل على القوم فيهم مَن هو خير منه، لأنّه أيقظ عينًا، وأبصر بالحرب"٢.
وأخرج البيهقي - أيضًا - عن أبي عثمان النهدي٣ قال: سمعت عمر بن العاص يقول:
[٢٤]: "بعثني رسول الله ﷺ على جيش ذات السلاسل، وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدّثت نفسي أنّه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلاّ لمنْزلةٍ لي عند. فأتيته حتى قعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله!
١ نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، أبو معشر، مولى بني هاشم، مشهور بكنيته (ضعيف) من السادسة، أسنَّ واختلط، مات سنة سبعين ومائة. (تقريب ٥٥٩) .
٢ أخرجه البيهقي (دلائل٤/٤٠٠)،وسنده فيه ضعف، وجهالة، وانقطاع. والله تعالى أعلم.
٣ عبد الرحمن بن مُلّ - بلام ثقيلة والميم مثلثة - أبو عثمان النّهدي - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته (مخضرم) من كبار الثانية (ثقة، ثبت، عابد) مات سنة خمس وتسعين، وقيل: بعدها، وعاش مائةوثلاثين سنة. وقيل: أكثر. (تقريب٣٥١) .
[ ٤١١ ]
مَن أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قلت: إنّي لست أسألك عن أهلك. قال: فأبوها. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: عمر. قلت: ثُمَّ مَنْ؟ حتى عدّد رهطًا. قال: قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا"١.
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي (دلائل ٤/٤٠٠-٤٠١)، وقال: أخرجاه في الصحيح. قلت: أخرجه البخاري (الصحيح ٤/١٩٢، ٥/١١٣)، ومسلم (الصحيح ٥/٩) .
[ ٤١٢ ]