قال ابن حجر: وفي الحديث جواز تأمير المفضول على الفاضل، إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، ومنقبة لعمرو بن العاص لتأميره على جيش فيهم أبو بكر وعمر، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليته عليهم، لكن يقتضي أنّ له فضلًا في الجملة١.
ونقل ابن حجر، والزرقاني عن رافع الطائي قال: وهذه الغزوة هي الغزوة التي يفتخر بها أهل الشام٢.
وقال ابن حجر - أيضًا: وفي الحديث مزية أبي بكر على الرجال، وبنته عائشة على النساء٣.
وقال النووي: وفيه دلالة تنبيه لأهل السُّنّة في تفضيل أبي بكر، ثُمَّ عمر على جميع الصحابة٤.
قلت: كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - يعرفون هذا الأمر جيِّدًا، ومتداوَلٌ بينهم، حتّى إنّ الشّباب من صغار الصحابة كانوا يُفَاضلون بين الصحابة بين يدي رسول الله ﷺ، فيقدّمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلا يُنكر عليهم رسول الله ﷺ، فقد أخرج البخاري
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٧٥. ٢ انظر: المصدر السّابق. والزرقاني: شرح ٢/٢٨٠. ٣ فتح الباري ٨/٧٥. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/١٥٣.
[ ٤٢٦ ]
في الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: "كُنَّا نخيّر بين الناس في زمن النّبيّ ﷺ، فنخيّر أبا بكر، ثُمّ عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان - ﵃ "١.
ونقل البيهقي عن الشافعي أنّه قال: "أجمع الصحابة وأتباعهم على أفضلية أبي بكر، ثُمّ عمر، ثُمّ عثمان، ثُم عليّ"٢.
وفي قصّة رافع الطائي ﵁ يظهر جليًّا تميُّز الصّدّيق ﵁ في هيئته، ومظهره، وتعامله مع الناس، ذلك التميّز الواضح القويّ لاحظه رافع، فاختاره صاحبًا له من بين جميع أفراد السرية، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على المواهب العظيمة التي حباها الله ﷿ لذلك الرجل العظيم. حيث عرف الناس فضله وتميُّزه، سواء القريبون منه في مجتمع المدينة الذين كانوا يرون بأعينهم، ويسمعون بآذانهم، ويلاحظون بحواسهم، تقديم المصطفى ﷺ له وتفضيله إيّاه، وحديثه الدائم عنه عن أعماله الخَيِّرة في خدمة الإسلام منذ اللحظة التي صدّق فيها رسولَ الله ﷺ.
أخرج البخاري في الصحيح حديث أبي الدرداء ﵁ الذي فيه: فقال النّبيّ ﷺ: "إنّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله " الحديث٣.
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري ٧/١٦، ٥٣. ٢ ذكر ذلك ابن حجر: (فتح الباري ٧/١٧)، نقلًا عنه. ٣
[ ٤٢٧ ]
أو الذين يرافقونه في البعوث والسرايا من الإعراب، فيلاحظون ذلك التميُّز المُلْفِت للنظر لشخصية الصِّدِّيق ﵁ من خلال ما يرونه ويتوسّمونه فيه من خلال الخير، وأعمال البِرِّ، وحُسن الخُلُق، وكرامة المظهر، وحُسن التعامل، كما حدث هذا في هذه السرية، والله تعالى أعلم.
وفي حديث عمرو بن العاص ﵁ وأنّه صلّى بأصحابه وهو جُنُب لخوفه من شدّة البر.
قال ابن حجر: "وفي هذا الحديث جواز التيمّم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك سواء كان لأجل البرد أم غيره١.
وقال الخطابي: "وفيه من الفقه أنّه جعل عدم إمكان استعمال الماء كعدم عين الماء، وجعله بمنْزلة مَن خاف العطش ومعه ماء، فأبقاه لشقته وتيمّم خوف التلف، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فشدّد فيه عطاء ابن أبي رباح وقال: يغتسل وإن مات، واحتجّ بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُم جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ . [سورة المائدة، الآية: ٥] . وقال الحسن نحوًا من قول عطاء. وقال مالك وسفيان: يتيمّم، وهو بمنْزلة المريض وأجازه أبو حنيفة في الحضر وقال صاحباه: لا يجزيه في الحضر، وقال الشافعي: إذا خاف على نفسه مِن شدّة البرد تيمّم وصلّى وأعاد كلّ صلاةٍ صلاّها كذلك، ورأى أنّه من العُذْر النّادر، وإنما جاءت الرّخص التامّة في الأعذار العامّة"٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري ١/٤٥٤. ٢ حاشية سنن أبي داود ١/٢٣٨-٢٣٩.
[ ٤٢٨ ]
وقال ابن حجر أيضًا: "وفي الحديث جواز صلاة المتيمِّم بالمتوضّئين، وجواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ"١.
قال ابن القيم: "وقد احتجّ بهذه القصّة مَن قال: إنّ التيمّم لا يرفع الحدث، لأن النّبيّ ﷺ سمّاه جُنُبًا بعد تيمُّمه، وأجاب مَن نازعهم في ذلك بثلاثة أجوبة:
أحدها: أنّ الصحابة لمّا شكوه قالوا: صلّى الصُّبحَ وهو جُنُب، فسأله النّبيّ ﷺ عن ذلك. وقال: "صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب؟ " استفهامًا واستعلامًا، فلمّا أخبره بعذره وأنّه تيمّم للحاجة، أقرّه على ذلك.
الثّاني: أنّ الرواية اختلفت عنه فُرِويَ عنه فيها أنّه غَسَل مغابنه وتوضّأ وضوءه للصلاة، ثُمّ صلّى بهم، ولم يذكر التيمّم، وكأنّ هذه الرواية أقوى من رواية التيمّم، قال عبد الحقّ: "وقد ذكرها وذكر رواية التيمّم قبلها، ثُمّ قال: وهذا أوصل من الأوّل لأنّه عن عبد الرحمن ابن جبير المصري، عن أبي القيس مولى، عن عمرو، والأولى التي فيها التيمّم من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص لم يذكر بينهما أبا القيس".
الثالث: أنّ النّبيّ ﷺ أراد أن يستعلم فقه عمرو في تركه الاغتسال، فقال له: "صلّيت بأصحابك وأنت جنب؟ ". فلمّا أخبره أنّه تيمّم للحاجة، عَلِمَ فقهه فلم يُنكر عليه، ويدلّ عليه أنّ ما فعله عمرو من
_________________
(١) ١ فتح الباري ١/٤٥٤.
[ ٤٢٩ ]
التيمّم - والله أعلم - خشية الهلاك بالبرد، كما أخبر به، والصلاة بالتيمّم في هذه الحال جائزة، غير منكرة على فاعلها، فعلم أنّه أراد استعلام فقهه وعلمه. والله تعالى أعلم١.
وفي حديث رافع الطائي-رحمه الله تعالى-،وقصته مع أبي بكر ﵁ تنفيرٌ من التّعرُّض للرياسة، والوعيد لأهلها، وأمرهم بالاستقامة٢. وقد وردت في معناه أحاديث كثيرة عن النّبيّ ﷺ، من ذلك قوله ﷺ لأبي ذرّ ﵁: "يا أبا ذرّ! أراك ضعيفًا، وإني أُحِبّ لك ما أُحِبّ لنفسي، فلا تأمرنّ على اثنين، ولا تولينّ مال اليتيم". وعنه قال: "قلت: يا رسول الله! ألا استعملني؟ فضرب على منكبي فقال: يا أبا ذرّ! إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة حسرة وندامة إلاّ مَن أخذها بحقّها، وأدّى الذي عليه فيها". رواهما مسلم٣.
قال النووي: "هذا الحديث وما أشبهه أصلٌ عظيمٌ في اجتناب الولايات"٤.
وعن أبي هريرة ﵁ إنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة". رواه البخاري٥.
_________________
(١) ١ ابن القيم: زاد المعاد ٢/١٥٨. ٢ العامري: بهجة المحافل ١/٣٦٥. (بتصرف بسيط) . ٣ مسلم (الصحيح ٤/١٠٥) . ٤ شرح صحيح مسلم. ٥ البخاري (الصحيح ٨/١٠٦) .
[ ٤٣٠ ]