المطلب الأول: التعريف بدومة الجندل:
قال في القاموس: "دومة الجندل، ويقال: "دوماء الجندل، كلاهما بالضم١".
وقال الجوهري: "أصحاب اللغة يقولونه بضم الدال، وأصحاب الحديث يفتحونها٢".
وقال ابن الأثير: "تُضَمُّ دالُها وتُفْتَح٣".
وقال ياقوت: "وقد أنكر ابن دريد الفتح، وعدَّه من أغلاط
المحدثين٤".
قال الهجري: "كُلُّ العرب على فتح الراء من رضوى، وضم الدال من دومة الجندل٥".
قال في المقتطف: "والصواب في كُلِّ ذلك أنَّها تقال بالضم أو بالفتح على السواء، والسبب هو أنَّ اللفظة أعجمية، وهي تُلْفَظ فيها بحركة بين الضم والفتح، فلمَّا عرَّبها العرب مال بعضهم إلى ضمها وآخرون إلى فتحها، واللغويون في مثل هذا المثال يضمون الحرف، والنقلة يميلون إلى
_________________
(١) ١ القاموس، مادة (دام) . ٢ الصحاح، مادة (دوم) . ٣ النهاية ٢/١٤١. ٤ معجم البلدان ٢/٤٨٧. ٥ هامش معجم ما استعجم للبكري ٢/٥٦٤.
[ ١٧٧ ]
الفتح، والمحققون يروون اللفظ على أصله، ونظن أنَّ هذه الطريقة الأخيرة هي المخيرة في عصرنا لأنها هي الصحيحة لقربها من الأصل المأخوذة عنه١".
واختلف العلماء واللغويون والمحدّثون في معنى هذا الاسم:
قال ابن الفقيه: "دومة الجندل من أعمال المدينة، سُمِّيَت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم٢".
وقال الزجاجي، والبكري: "سُمِّيَت بدومان بن إسماعيل، كان ينْزلها٣".
وقال ابن الكلبي: "دوماء بن إسماعيل، قال: "لمَّا كثر ولد إسماعيل - ﵇ - بتهامة، خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة وبنى بها حصنًا، فقيل: "دوماء، ونُسِبَ الحصن إليه٤".
وقيل: "كان لإسماعيل ولد اسمه دُما أو دوما أو دمة، والظاهر أنَّ الحكاية ملفقة لفَّقها بعضهم إثباتًا لمدَّعاه، وأمَّا الذي عرفه النسابة بهذا الاسم دوم بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، إلاَّ السيد مرتضى صاحب التاج قال عنه: "لم أره عند النسابة٥".
_________________
(١) ١ مجلة المقتطف، مجلد ٥٩/ جزء ٢/١٥. ٢ انظر: الحموي: معجم ٢/٤٨٧. ٣ انظر: البكري: معجم ٢/٥٦٥، والحموي: معجم ٢/٤٨٧. ٤ انظر: الحموي: معجم ٢/٤٨٧. ٥ مجلة المقتطف: مجلد ٥٩ / جزء ٢ / ١١٣.
[ ١٧٨ ]
ومعنى اسمها الحقيقي: "أنَّها كلمة يونانية معناها (الحصن)، وعند الرومان دوما: "السطح". والظاهر أنَّ العرب الأولين الذين اقتبسوا اللفظة عن اليونان كانوا يعرفون أنَّ معنى دوما: "الحصن، ثُمَّ تُنُوسِيَ مع الزمن، والدليل أنَّنا نجد في معجم البلدان لياقوت الحموي ما نصه: "قال أبو سعد: "دومة الجندل في غائط من الأرض خمسة فراسخ، قال: "ومن قبل مغربه عين تثجّ فتسقي ما به من النَّخل والزرع، وحصنها مارد، وسُمِّيَت دومة الجندل، لأنَّ حصنها مبني بالجندل"١، فكأنه قال: "الدومة: "الحصن، وأضيفت إلى الجندل لأنه مبني به".
وقال أبو عبيد السكوني: "دومة الجندل: "حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طئ كانت به بنو كنانة من كلب، قال: "ودومة من القريات من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال، والقريات: "دومة، وسكاكة، وذو القارة، فأما دومة فعليها سور يتحصن به، وفي داخل السور حصنٌ منيعٌ يقال له مارد، وهو حصن أكيدر الملك" ٢. وهذا - أيضًا - كلام يشعر منه بأنَّ العرب الأقدمين كانوا يعرفون معنى الدومة، وأنها الحصن الحصين أو المنيع، ومن الأدلة على أنَّ الدومة بمعنى الحصن أنها أُضيفت إلى عِدَّة مواضع بُنِيَت فيها حصون، منها دومة الكوفة، أو دومة النجف، ودومة الحيرة، ودومة خبت، ودومة دمشق وغيرها٣".
_________________
(١) ١ معجم البلدان ٢/٤٨٧ – ٤٨٨. ٢ المصدر السابق. ٣ المقتطف، مجلد ٥٩ / جزء ٢ /١١٤-١١٥.
[ ١٧٩ ]
وذكر البلاذري في فتوح البلدان عن الواقدي قال: "سمعت بعض أهل الحيرة يذكر أنَّ أُكيدر وإخوته كانوا ينْزلون دومة الحيرة، وكانوا يزورون أخوالهم من كلب فيتغربون عندهم، فإنَّهم لمعهم وقد خرجوا للصيد إذ رفعت لهم مدينة متهدمة لم يبق إلاَّ بعض حيطانها، وكانت مبنية بالجندل، فأعادوا بنائها، وغرسوا فيها الزيتون وغيره، وسموُّها دومة الجندل تفرقةً بينها وبين دومة الحيرة١".
أمَّا موقعها، فقال البكري: "ودومة هذه على عشرة مراحل من المدينة، وعشر من الكوفة، وثمان من دمشق، واثنتي عشرة من مصر٢".
وقال ياقوت: "هي على سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم٣".
وقال الحميري: "ودومة الجندل حصنٌ منيعٌ، ومعقلٌ حصينٌ، وبه عمارة وتَتَّصِل به عين التمر٤".
وقال الواقدي: "كان النَّبِيُّ ﷺ غزا دومة الجندل في سنة خمس، فلم يلق كيدًا، ووجَّه خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر في شوَّال سنة تسع بعد إسلام خالد بن الوليد بعشرين شهرًا، وهي أرض نخل وزرع يسقون على
_________________
(١) ٢ معجم ما استعجم ٢/٥٦٥. ٣ معجم البلدان ٢/٤٨٧. ٤ الروض المعطار ٢٤٥.
[ ١٨٠ ]
النواضح، وحولها عيون قليلة، وزرعهم الشعير، وهي مدينة عليها سور ولها حصن عال مشهور في العرب يُدْعَى مارد١".
قلت: "وكذلك بعث إليها عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - على رأس هذه السرية".
قال البكري: "وكان افتتاح دومة صلحًا، وهي من بلاد الصُّلْح التي أدَّت إلى رسول الله ﷺ الجزية٢".
وقد تعرَّض أصحاب معلمة الإسلام، وهم جماعة من المستشرقين لذكر دومة الجندل، فقالوا: "جوف السرحان أرض ديار العرب، واقعة في شمال نجد وأنت تتجه إلى سورية على وادي سرحان، وجوف السرحان وتيماء هما الروضتان الكبريان من ديار جزيرة العرب، وأكبر مدينة من مدن جوف السرحان كانت دومة الجندل (ويسميها بطليموس دوميثا) مع حصنها المارد، وقد أقام برخرد في جوف السرحان سنة ١٨١٢م، وزارها أوتنك بعده بسبعين سنة، وهي اليوم عبارة عن طائفة قرى ضخمة تطوف بها بساتين وحدائق وغيطان نخل يسمونها (أسواقًا) فيها من ٨٠ إلى ١٢٠ بيتًا، وجملة سُكَّانها نحو ١٢٠٠٠، والقرى على اختلاف أنواعها تنقاد لأمور شيوخ خاصَّة بهم، وفي عهد إقامة برخرد في الجوف كان أغلب
_________________
(١) ١ انظر قول الواقدي في: البلاذري: فتوح البلدان ٨٤، وابن عساكر: (تاريخ دمشق، المجلدة الأولى ص٣٨٥) . ٢ معجم ما استعجم ٢/٥٦٥.
[ ١٨١ ]
قطَّانها تُجَّارًا صغارًا، وأصحاب مهن، منهم الخفَّاف، والحدَّاد، والنَّجَّار، وكانوا يبدلون أمتعتهم وتجاراتهم مع الأعراب بأباعر، أمَّا اليوم فالتِّجارة والاحتراف في سقوطٍ ليس وراءَه سقوط، وكان أصحاب تلك الربوع من الوهابيين، وكانت أرضهم داخلة في إحدى كور مملكة الوهابيين التي كان على رأسها اثنان من الأُمراء، وبعد انحلال الدولة الوهابية بقي أهلها مستقلين مدَّة مديدة، وفي سنة ١٨٥٥م خضعوا لشمر الذين في حائل١" ومنطقة الجوف اليوم تعدّ من أكبر المناطق الزراعية المتميزة في المملكة، حيث تشتهر بزراعة الفواكه والخضروات، وتتميَّز بزراعة الزيتون الذي نجحت زراعته في المنطقة بكميات اقتصادية تُبَشّر بالخير".
ودومة الجندل تعتبر ثاني أكبر مدينة في المنطقة، وهي اليوم مدينة متطورة شملتها النهضة العمرانية الواسعة في العهد الميمون، ولكنَّها احتفظت أيضًا بتراثها التاريخي القديم".
_________________
(١) ١ المقتطف: مجلد ٥٩ / جزء ٢/١١٥ عام ١٩٢١ م. قلت: ذلك يدل على تمكن الدولة السعودية الأولى والثانية من بسط نفوذها على أرض الجزيرة العربية منذ تلك الفترة المبكرة، وإنَّ البلاد كانت تشهد حالة من الركود الاقتصادي في مرحلة اضمحلال نفوذ الدولة، وهي فترة قصيرة لا تقاس بفترة الاستقرار الأمني، والرخاء الاقتصادي الغالِب على المنطقة في ظِلِّ حكم هذه الدولة العظيمة التي حباها الله من فضله وأسبغ عليها نعمه، كونها كانت ولا تزال الرائدة في نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة بين النَّاس، وتُحَكِّم شرع الله القويم في أرضها المباركة.
[ ١٨٢ ]