المطلب الأول: التعريف بوادي القرى:
وادي القُرَى - بضم أوَّله، وفتح ثانيه، والقصر - جمع قرية، وهو وادٍ بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، وهو بين تيماء وخيبر، فيه قرى كثيرة، وبها سُمّي وادي القُرى، والنسبة إليه "واديّ"، قال أبو المنذر: سُمّي وادي القُرى، لأنَّ الوادي من أوَّله إلى آخره قُرىً منظومة.
وقال أبو عبيد الله السكوني: "وادي القُرى والحِجْر والجناب، منازل قضاعة، ثُمَّ جهينة، وعذرة، وبلىّ، وهي بين الشام والمدينة، يمرُّ بها حاج الشام، وكانت قديمًا منازل ثمود وعاد١، وبها أهلكهم الله، وآثارها إلى الآن باقية، ونزلها بعدهم اليهود واستخرجوا كظائمها٢، وأساحوا عيونها، وغرسوا نخلها، فلمَّا نزلت بهم القبائل عقدوا بينهم حلفًا، وكان لهم فيها على اليهود طُعمة وأكل في كل عام ومنعوها لهم، ودفعوا عنها قبائلهم"٣.
_________________
(١) ١ المعروف أنَّها منازل ثمود، قوم نبي الله صالح - ﵇، الذين كانوا يسكنون الحجر الذي سُمِّيَ فيما بعد (مدائن صالح)، وذكر عاد هنا وَهَمٌ، فالمعروف أنَّهم كانوا يسكنون الأحقاف في حضرموت، وهي بعيدة جدًا عن هذه المنطقة، والله تعالى أعلم. ٢ الكظام: محابس المياه في الأودية والشعاب. (لسان العرب: مادة: كظم) . ٣ كان من القبائل التي نزلت بهم غطفان (فزارة، وبني مرة، وأشجع، وغيرها) .
[ ٤٥ ]
وكان النعمان بن الحارث الغساني ملك الشام أراد غزو وادي القرى، فحذَّره نابغة بن ذبيان، وذلك بقوله:
تجنَّب بني حُنَّ فإنَّ لقَاءَهُم كريهٌ وإنْ تلق إلاَّ بصابرٍ
في أبيات. و"حُنَّ" - هو بضم الحاء المهملة والنون المشدَّدة - ابن ربيعة بن حرام بن ضنَّة بن عبد بن كبير بن عُذرة١.
ولمَّا فرغ رسول الله ﷺ من خيبر في سنة سبع، امتدَّ إلى وادي القرى، وفتحها عنوة، ثُمَّ صُولِحُوا على الجزية.
وكان يسكن الوادي ناس من ولد جعفر بن أبي طالب - ﵁، وقد غلبوا عليه، ويُعْرَفون بالواديّين.
وقال الشاعر٢:
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادِي القُرَى إنِّي إذًا لَسَعِيدُ
وقد نُسِب إلى وادي القُرى جماعة، منهم يحيى بن أبي عبيدة الوادي أصله من وادي القُرى، وكان مولى لقريش، ثقةً في الحديث، ذكره علي بن الحسين الحرَّاني الحافظ في تاريخ الجزري، ومنهم - أيضًا: عمر ابن داود بن زاذان مولى عثمان بن عفَّان - ﵁، المعروف بعمر الوادي المغني، وكان مهندسًا في أيَّام الوليد بن يزيد بن عبد الملك٣.
_________________
(١) ١ وذلك يعني أنَّ سكان تلك المنطقة كانوا من بني عُذرة من قضاعة. ٢ هو: جميل بن معمر، المعروف بجميل بثينة. ٣ انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان ٤/٣٣٨-٣٣٩، ٥/٣٤٥، والحميري: الروض المعطار ٦٠٢.
[ ٤٦ ]
ويُعْرَف وادي القُرى اليوم ب "العُلا" بضم العين ثُمَّ لام وألف من غير همزة، والنسبة إليه "عُلَوِيٌّ"، وهي مدينة عامرة شمال المدينة النبوية على قرابة "٣٥٠" ميلًا، كثيرة المياه والزرع والأهل، ويصُبُّ واديها في وادي الجزل، ثُمَّ يَصُبُّ الجزل في وادي الحمض "أضم"، وهي ملاصقة للحجر ديار ثمود، متَّصِلة بها اتِّصالًا تامًّا، لا يفصِلُ بينها وبين المدائن حدود ولا جبال.
وسبب تسميتها ب "العُلا" أنَّها قامت على أنقاض قصبة وادي القُرى المُسَمَّى "قُرح"، وهو موضع كان بالوادي من صدره، فغلب عليه اسم العُلا، لأنه أعلى الوادي، وكانت "قُرح" سوقًا مشهورة من أسواق العرب في الجاهلية، وفيها مسجد قُرح الذي بناه رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك، وهو مسجد العُلا اليوم فيما يتوارث أهلها، وتنقسم العُلا إلى حارتين: الشِّقيق - بالشين المشددة المكسورة -، والحِلف - بكسر - الحاء وجوّها جميل، وسكانها خليط من عرب الشمال والحجاز، وبعض أهل القصيم وحائل، وبها محطَّة لسكة حديد الحجاز المعطَّلة.
وتُعدّ العُلا مِن أكبر محافظات المدينة الزراعية المتطورة، حيث يُزرع بها النخيل، والأترجّ، والليمون بأنواعه، والفواكه والخضروات، وأكثر صادراتها التمور، وهو أنواع، أجودها البرني، والسكري، وتربطها بالمدينة النبوية طريق معبدة، ويسكن بعض أهلها المدينة١.
_________________
(١) ١ انظر: محمد عبد الحميد مراد: مدائن صالح ٦١-٦٢، ١٥٣، والبلادي: معجم ٢٥، وانظر: مجلة الدارة، العدد الأول، السنة التاسعة ٣٩.
[ ٤٧ ]