المطلب الأول: الخلاف في السرية:
اختلف في هذه السرية، في قائدها، وفي سببها، وفي الوجهة التي أُرْسِلَت إليها، في عِدَّة أقوال بين روايات أهل المغازي، وروايات أهل الحديث، حيث:
يرى ابن إسحاق، والواقدي: "أنَّ هذه السرية هي سرية غالب ابن عبد الله الليثي - ﵁ - إلى أرض بني مُرَّة بفدك، وأنَّ أُسامة ابن زيد - رضي الله تعالى عنه - خرج فيها، وأنَّه قتل مرداس بن نهيك بعد أن قال: "لا إله إلاَّ الله".
وأضاف الواقدي: "أنَّ سبب السرية هو تأديب المرِّيين الذين أصابوا أصحاب بشير بن سعد في السرية السابقة١".
أمَّا ابن سعد فعنون لها بـ"سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك". وذكر خروج أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنه - فيها، ولكن دون أن يشير إلى أنه قَتَل فيها المتعوِّذ، وذلك لأنه يرى أنَّ أُسامة لم يقتل ذلك الرجل في هذه السرية، وإنَّما في سرية أُخرى لغالب بن عبد الله الليثي كانت لبني عوال، وبني عبد ثعلبة بالميفعة٢".
_________________
(١) ١ ابن هشام: سيرة ٤/٦٢٢، والواقدي: مغازي ٢/٧٢٣. ٢ ابن سعد: طبقات ٢/١١٩، ١٢٦.
[ ١٤١ ]
وتابعه في ذلك ابن سيد الناس١، والقسطلاني٢، والقطب الحلبي في المورد العذب٣".
وقد أخذ ابن حجر برأي ابن سعد هذا ونسبه خطئًا إلى أهل المغازي٤ حيث لم يذكر ذلك غير ابن سعد، ومَن تابعه كما أسلفنا".
وعَنْوَنَ الطبريُّ للسرية بقوله: "وفيها "سرية غالب بن عبد الله في شهر رمضان إلى الميفعة"". ثُمَّ ذكر بسنده عن ابن إسحاق أحداث سرية غالب بن عبد الله الكلبي، إلى أرض بني مرَّة٥".
ومعلومٌ عند أهل المغازي أنَّ الميفعة ليست أرض بني مرّة، بل أرض
بني عوال، وبني عبد ثعلبة، وهي وراء بطن نخل إلى النقرة، قليلًا بناحية نجد٦، أمَّا بنو مرَّة فكانوا يسكنون بالقرب من فدك".
كما أخرج ابن سعد قصَّة أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - في مكانٍ آخر، فساق بسنده إلى الحضرمي، رجلٌ من أهل اليمامة قال:
[١] "بلغني أنَّ رسول الله ﷺ بعث أُسامة بن زيد، وكان يحبه ويحب أباه قبله، فبعثه على جيش".".". فذكر الحديث"٧".
_________________
(١) ١ عيون الأثر ٢/١٩٦. ٢ المواهب اللدنية ١/٥٤٨. ٣ ذكر ذلك الشامي: سبل ٦/٢١١. ٤ فتح الباري ٧/٥١٨. ٥ تاريخ الأمم والملوك ٣/٢٢. ٦ انظر: ابن سعد: طبقات ٢/١١٩. ٧ أخرجه ابن سعد (طبقات ٤/٦٩) وسنده منقطع، وفيه جهالة الحضرمي.
[ ١٤٢ ]
فقوله: "فبعثه على جيش" يُشْعِر أنه كان قائدًا لذلك الجيش، وكأنَّ الحاكم يرى ذلك - أيضًا - حيث ذكر في الإكليل، كما نقل عنه القسطلاني:
[٢] "أنَّ أُسامة فعل ذلك في سرية كان هو أميرًا عليها في سنة ثمان"١".
وكذلك بوَّب لها البخاري في الصحيح بما يفيد أنه كان أميرًا عليها حيث قال: ""باب بعث النَّبِيِّ ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة"٢، ثُمَّ ساق بسنده الحديث إلى أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - فقال:
[٣] "بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة"٣٤".
وقد نفى ابن حجر وبناءً على قول أسامة - رضي الله تعالى عنه
_________________
(١) ١ عزاه القسطلاني (المواهب ١/٥٣٨) للحاكم في الإكليل، وكتاب الإكليل مفقود. ٢ البخاري: الصحيح ٣/٨٨، ابن حجر: فتح ٧/٥١٧. ٣ قال ابن هشام: الحُرَقة فيما ذكر أبو عبيدة. وقال السهيلي: قال ابن حبيب: في يشكر، حرقة بن ثعلبة، وحرقة بن مالك، كلاهما من بني حبيب بن كعب بن يشكر، وفي قضاعة: حرقة بن جذيمة بن نهد، وفي تميم حرقة بن زيد بن مالك بن حنظلة. وقال القاضي أبو الوليد: هكذا وقعت هذه الأسماء كلها بالقاف، وذكرها الدارقطني كلها بالفاء. وقال السويدي في نسبة الحميس: بنو الحميس بطن من جهينة ويسمون الحرقة، سُمُّوا بذلك لأنَّهم أحرقوا بني مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بالنبل، أي قتلوهم. انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٦٢٣، السهيلي: الروض ٧/٥٢٧، السويدي: سبائك الذهب ٩١. ٤ أخرجه البخاري (الصحيح ٣/٨٨)، وأخرجه مسلم (الصحيح ١/١٣٣) .
[ ١٤٣ ]
- "بعثنا" أن يكون دليلًا على إمارته للجيش١".
وكذلك أخرج الحديث مسلم بسنده عن أُسامة - رضي الله تعالى عنه - إلاَّ أنه قال فيه:
[٤] "فصبَّحنا الحرقات من جهينة"".٢٣".
والسؤال هنا هو هل هذه السرية التي خرج فيها أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - وقَتَل فيها ذلك الرجل المتعوِّذ: "سرية غالب ابن عبد الله الليثي - ﵁ - إلى بني مرّة بفدك، كما ذكر ابن إسحاق والواقدي؟ أم سرية غالب بن عبد الله الليثي - أيضًا - إلى بني عوال، وبني عبد ثعلبة بالميفعة كما ذكر ابن سعد ومتابعوه؟ أم هي سرية أخرى كان أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما هو قائدها، كما أشار لذلك البخاري، والحاكم؟!
_________________
(١) ١ ابن حجر: فتح ٧/٥١٨ وقال في مكان آخر: وترجم البخاري في المغازي " بعث النَّبِيّ ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة "، فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال فيه: " تأمير مَن لم يبلغ ". وتُعُقِّبَ من وجهين: أحدهما: ليس فيه تصريح بأنَّ أُسامة كان الأمير، إذ يُحتمل أن يكون جعل الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الأمير. والثاني: أنها كانت سنة سبع أو ثمان، فما كان أُسامة يومئذٍ إلاَّ بالغًا، لأنَّهم ذكروا أنه كان له لمَّا مات النَّبِيُّ ﷺ ثمانية عشر عامًا. (فتح ١٢/١٩٤) . ٢ قال الزرقاني (شرح المواهب ٢/٢٥١)، والجمع في الترجمة باعتبار بطون تلك القبيلة. ٣ أخرجه مسلم (الصحيح ١/١٣٤) . وأخرجه أبو داود (سنن ٣/١٠٢ - ١٠٣) .
[ ١٤٤ ]
وأيضًا هل كانت وجهة هذه السرية إلى بني مرة، أو إلى بني عوال
وبني عبد ثعلبة، أو إلى الحرقات من جهينة؟!
وكما وقع هذا الخلاف بين أهل المغازي، كذلك وقع خلاف آخر بين أهل التفسير في تفسير قوله ﵎ ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلًا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمَ كَثِيرَة كَذَلِكَ كُنْتُم مِنْ قَبْل فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُم﴾ . [سورة النساء، الآية: "٩٤] ".
فقد أخرج الطبري بسنده عن السدّي١. والثعلبي٢ من طريق الكلبي٣، عن أبي صالح٤، عن ابن عباس".
وهذا حديث ابن جرير بسنده من طريق أسباط٥،عن السدّي قال:
_________________
(١) ١ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُدِّي - بضم المهملة وتشديد الدال - أبو محمَّد الكوفي (صدوق يهم، ورُمِيَ بالتشيُّع) من الرابعة، مات سنة سبعٍ وعشرين. (تقريب ١٠٨) . ٢ أحمد بن محمَّد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي، شيخ التفسير، كان أحد أوعية العلم، وكان صادقًا موثقًا بصيرًا في العربية، توفي سنة سبعٍ وعشرين وأربعمائة. (الذهبي: سير ١٧/٤٣٦ - ٤٣٧) . ٣ محمَّد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر، الكوفي، النسابة، المفسر (متَّهم بالكذب، ورُمِيَ بالرَّفْض) من السادسة، مات سنة ستٍ وأربعين. (تقريب ٤٧٩) . ٤ باذام - بالذال المعجمة - ويقال: آخره نون، أبو صالح، مولى أُمّ هانئ (ضعيف، يرسل) من الثالثة. (تقريب ١٢٠) . ٥ أسباط بن نصر الهمْداني - بسكون الميم - أبو يوسف، ويقال: أبو نصر (صدوق، كثير الخطأ، يغرب) من الثامنة. (تقريب ٩٨) .
[ ١٤٥ ]
[٥] "بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أُسامة بن زيد إلى بني مرة١، فلقوا رجلًا يُدْعَى مرداس بن نهيك، معه غنيمة له وجمل أحمر، فلمَّا رآهم أوى إلى كهف جبل، واتَّبعه أُسامة، فلمَّا بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه، ثُمَّ أقبل إليهم، فقال: "السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فشدَّ عليه أسامه فقتله من أجل جمله وغنيمته" فذكر الحديث ٢.
وأخرج الطبري - أيضًا - بسنده عن قتادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنواْ﴾ الآية". قال: "هذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا:
[٦] "أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ بعث جيشًا عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرَّ أصحابه، فقال مرداس إني مؤمن، وإني غير متبعكم، فصبَّحته الخيل غدوة، فلمَّا لقوهسلَّم عليهم مرداس، فتلقاه أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه
_________________
(١) ١ في الأصل: (بني ضمرة) وهو تصحيف. ٢ أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٤) من حديث أسباط عن السُدِّي، والثعلبي (الجزء الثاني / لوحة ١٨) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وسند الطبري مرسل ضعيف، السُدِّي صدوق يهم، وأسباط كثير الخطأ والاغراب، وذلك واضح في متنه حيث الاغراب والوهم والخلط بحديث عامر بن الاضبط. أمَّا متابعة الكلبي عن أبي صالح فلا يُعتد بها، لأنه متَّهم بالكذب، وابو صالح ضعيف. وقد ذكر الزرقاني (شرح ٢/٢٥١) أنه أخرجه ابن أبي حاتم، عن جابر، وأبو نعيم عن أبي سعيد نحوه.
[ ١٤٦ ]
وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جلَّ وعزَّ في شأنه ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلام لَسْتَ مُؤمِنًا﴾ . [سورة النساء، الآية: "٩٤] ".لأنَّ تحية المسلمين السلام بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضا"١".
وقد رُوِيَ من وجهٍ آخر عن قتادة، وأخرجه الطبري من حديث عبد الرزَّاق بسنده عنه وقال فيه:
[٧] "بلغني أنَّ رجلًا من المسلمين أغار على رجلٍ من المشركين فحمل عليه، فقال له المشرك: "إني مسلم، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك ﷺ، فقال للذي قتله: "أقتلته وقد قال لا إله إلاَّ الله؟ فقال وهو يعتذر: "يا نبي الله إنَّما قالها متعوِّذًا وليس كذلك، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "فهلاَّ شققت عن قلبه؟ ثُمَّ مات قاتل الرجل فقُبِرَ، فلفظته الأرض، فذُكِرَ ذلك للنَّبِيِّ ﷺ فأمرهم أن يقبروه، ثُمَّ لفظته الأرض، حتى فُعِلَ به ذلك ثلاث مرَّات، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّ الأرض أبت أن تقبله، فألقوه في غارٍ من الغيران".
قال معمر: "وقال بعضهم: "إنَّ الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة٢".
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري: (تفسير٤/٢٢٤) بسنده عن قتادة، وسنده حسن إليه، لكنَّه مرسل. ٢ أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٤) من حديث عبد الرزَّاق بسنده عن قتادة، وسنده صحيح، لكنَّه مرسل.
[ ١٤٧ ]
قلت: "هذه القصة هي بعينها قصة محلم بن جثامة مع عامر بن الأضبط المشهورة عند أهل المغازي التي حدثت في سرية أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه - إلى إضم، وهي تعتبر أحسن ما رُوِيَ في سبب نزول الآية، كما قال الشوكاني١".
وهذه القصة أخرجها ابن جرير من حديث ابن إسحاق بسنده عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال:
[٨] "بعث النَّبِيُّ ﷺ محلم بن جثامة٢ مبعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحيَّاهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة٣ في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلَّم فيه عيينة٤،
_________________
(١) ١ الشوكاني: فتح القدير ١/٥٠٢. ٢ قال ابن حجر: "محلم بن جثامة الليثي، أخو الصعب بن جثامة، قال ابن عبد البر: يُقال: إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إنَّ محلمًا غير الذي قتل، وأنَّه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير، ويقال: إنه الذي مات في حياة رسول الله ﷺ ودُفِنَ فلفظته الأرض مرّة بعد أُخرى، وجزم بالأول ابن السكن". (ابن حجر: إصابة ٣/٣٦٩) . ٣ الإحنة - بالكسر - الحقد، والغضب. (القاموس: الإحنة) . ٤ عيينة بن حصن بن حذيفة بن زيد الفزاري، أبو مالك، يقال: كان اسمه حذيفة فلُقِّبَ عُيَيْنَة لأنه أصابته شجة فجحظت عيناه. قال ابن السكن: له صحبة، وكان من المؤلَّفة، ولم يصِحّ له رواية، أسلم قبل الفتح وشهدها وشهد حنين والطائف، ثُمَّ كان مِمَّن ارتد في عهد أبي بكر ومال إلى طليحة فبايعه، ثُمَّ عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاء البوادي، وكان من الجرارين في الجاهلية، يقود عشرة آلاف. وقد قال عنه النَّبِيُّ ﷺ: (هذا الأحمق المطاع - يعني في قومه) . عاش إلى خلافة عثمان. (ابن الأثير: أُسْد ٤/٣٣١ - ابن حجر: إصابة ٣/٥٤ - ٥٥) .
[ ١٤٨ ]
والأقرع١، فقال الأقرع: "يا رسول الله سُنَّ اليوم وغَيِّر غدًا، فقال عيينة: "لا والله حتَّى تذوق نساؤه من الثُّكل٢ ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "لا غفر الله لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "إنَّ الأرض تقبل مَن هو شرّ من صاحبكم، ولكنَّ الله جلَّ وعزَّ أراد أن يعظكم، ثُمَّ طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت آية ﴿يا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ الآية". [سورة النساء، الآية: "٩٤] ٣".
_________________
(١) ١ الأقرع بن حابس بن عقال التميمي المجاشعي الدارمي، سُمِّي الأقرع لقرع كان في رأسه، وكان شريفًا في الجاهلية وفي الإسلام. قال ابن إسحاق: وفد على النَّبِيِّ ﷺ وشهد فتح مكَّة، وحنينًا، والطائف، وهو من المؤلَّفة، وقد حسُنَ إسلامه. وقال الزبير في النسب: "كان الأقرع حكمًا في الجاهلية، وقد ذكر أنه كان في وفد بني تميم الذين نزلت فيهم سورة الحجرات، وشهد الأقرع مع خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه اليمامة وغيرها، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيَّره إلى خراسان فأُصيبَ هو والجيش بالجوزجان، وذلك في زمن عثمان". (ابن الأثير: أُسْد ١/١٢٨ - ١٣٠، ابن حجر: إصابة ١/٥٨ - ٥٩) . ٢ الثُّكل - بالضم - الموت والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد (القاموس: الثكل) . ٣ وقد أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٢) وسنده فيه أبو وكيع (صدوق يهم) كما في التقريب ص ١٣٨ وفيه أيضًا عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلِّس.
[ ١٤٩ ]
وقد أخرجه الطبري أيضًا من حديث ابن إسحاق أيضًا بسنده عن عبد الله بن أبي حدرد١ قال:
[٩] "بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي٢، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم٣، مرَّ بنا عامر بن
_________________
(١) ١ عبد الله بن أبي حدرد، له ولأبيه صحبة. وقال ابن منده: لا خلاف في صحبته. وقال ابن سعد: أوَّل مشاهده الحديبية، ثُمَّ خيبر. وقال ابن عساكر: "روى عن النَّبِيِّ ﷺ، وعن عمر، وشهد الجابية مع عمر. وقال ابن البرقي: جاءت عنه أربع أحاديث، وتوفي سنة إحدى وسبعين". (ابن سعد: طبقات ٤/٣١٠، ابن حجر: إصابة ٢/٢٩٥) . ٢ أبو قتادة الأنصاري، هو الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان، بن رِبْعِي - بكسر الراء وسكون الموحدة - السَّلَمي - بفتحتين - المدني، شهد أُحُدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ، ثبت ذلك في صحيح مسلم، ومات سنة أربعٍ وخمسين. (ابن حجر: إصابة ٤/١٥٨، تقريب ٦٦٦) . ٣ إضم: قال البكري: وادٍ دون المدينة. وقال أبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي: إضم جبل لأشجع وجهينة، وقيل: وادٍ لهم، وذكر الشريف: أنَّ وادي إضم من أعظم أودية الحجاز، ويُسَمَّى اليوم وادي الحمض، وهو يسيل من الجنوب الشرقي لحرَّة خيبر، ويسير نحو الجنوب الغربي حتَّى يقارب المدينة، حيث تتصل به أودية فرعية منها وادي العقيق، ويبلغ طوله زهاء ٩٠٠ كيلو متر. وقال البلادي: إضم هو وادي المدينة إذا اجتمعت أوديتها الثلاثة: بطحان، وقناة، والعقيق، بين أُحُد والشرثاء، يُسَمَّى الوادي الخليل إلى أن يتجاوز كتانة فيُسَمَّى وادي الحمض، إلى أن يَصُبَّ في البحر بين الوجه وأملج. (البكري: معجم١/١٦٥ - ١٦٦،الشريف: مكَّة والمدينة٢٦، البلادي: معجم ٢٩) .
[ ١٥٠ ]
الأضبط الأشجعي على قعودٍ له معه متيع له ووطب من لبن١، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتيعه، فلمَّا قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن"٢".
كما ورد عن المفسرين أنَّ الآية نزلت في المقداد بن الأسود - ﵁، أخرج ذلك الطبري من حديث سعيد بن جبير قال:
[١٠] "خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله ﷺ، قال: "فمرَّوا برجلٍ في غنيمةٍ له، فقال: "إني مسلم، فقتله المقداد، فلمَّا قدموا ذكروا ذلك للنَّبِيِّ ﷺ، فنزلت هذه الآية"٣".
هكذا أخرجه مرسلًا عن سعيد، وقد ورد مطولًا موصولًا عند البزار من حديث سعيد أيضًا عن ابن عباس، حيث قال فيه:
_________________
(١) ١ الوطب: سقاء اللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه. (القاموس: الوطب) . ٢ أخرجه الطبري (تاريخ ٥/٢٢٣)، وسنده مداره على ابن إسحاق الذي عنعنه عند الطبري في روايتي سلمة، والمحاربي عنه، ولكنَّه صرَّح بالتحديث في الروايات الأخرى عند كُلٍّ من أحمد، والطبراني، وابن هشام، والبيهقي. (انظر: بريك بن محمَّد أبو مايلة: السرايا والبعوث النبوية بين مكَّة والمدينة ٢٧٦) فهو حسن وإن كان الهيثمي قال عنه: رجاله ثقات. ٣ أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٥) مرسلًا عن سعيد. وسعيد لم يدرك النّبيّ ﷺ.
[ ١٥١ ]
الأضبط الأشجعي على قعودٍ له معه متيع له ووطب من لبن١، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتيعه، فلمَّا قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن"٢".
كما ورد عن المفسرين أنَّ الآية نزلت في المقداد بن الأسود - ﵁، أخرج ذلك الطبري من حديث سعيد بن جبير قال:
[١٠] "خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله ﷺ، قال: "فمرَّوا برجلٍ في غنيمةٍ له، فقال: "إني مسلم، فقتله المقداد، فلمَّا قدموا ذكروا ذلك للنَّبِيِّ ﷺ، فنزلت هذه الآية"٣".
هكذا أخرجه مرسلًا عن سعيد، وقد ورد مطولًا موصولًا عند البزار من حديث سعيد أيضًا عن ابن عباس، حيث قال فيه:
_________________
(١) ١ الوطب: سقاء اللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه. (القاموس: الوطب) . ٢ أخرجه الطبري (تاريخ ٥/٢٢٣)، وسنده مداره على ابن إسحاق الذي عنعنه عند الطبري في روايتي سلمة، والمحاربي عنه، ولكنَّه صرَّح بالتحديث في الروايات الأخرى عند كُلٍّ من أحمد، والطبراني، وابن هشام، والبيهقي. (انظر: بريك بن محمَّد أبو مايلة: السرايا والبعوث النبوية بين مكَّة والمدينة ٢٧٦) فهو حسن وإن كان الهيثمي قال عنه: رجاله ثقات. ٣ أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٥) مرسلًا عن سعيد. وسعيد لم يدرك النّبيّ ﷺ.
[ ١٥٢ ]
[١٢] "مرَّ رجلٌ من بني سليم بنفر من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ يرعى غنمًا له، فسلَّم عليهم، فقالوا: "لا يسلِّم علينا إلاَّ ليتعوَّذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النَّبِيَّ ﷺ، فنزلت هذه الآية"١".
وأخرج الطبري بسنده عن ابن زيد٢ قال:
[١٣] "نزل ذلك في رجلٍ قتله أبو الدرداء".. فذكرمن قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذُكِرَت عن أُسامة"٣".
وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة جزء بن الجدرجان، أنَّ ابن منده أخرج بسنده عنه:
[١٤] "أنَّ أخاه فداد بن الجدرجان وفَدَ على رسول الله فلقيته سرية له فقتلوه بعد أن قال لهم: "إنه مؤمن، فنزلت فيه الآيات"٤".
قال ابن عبد البر: ""والاختلاف في المراد بهذه الآية كثير مضطرب فيه جدًا، قيل: "نزلت في أُسامة بن زيد، وقيل: "في محلم بن جثامة، وقال ابن عباس: "نزلت في سرية ولم يسمّ أحدًا، وقيل: "نزلت في غالب
_________________
(١) ١ انظر: المسند، حديث رقم: ٢٠٢٢، وسنن الترمذي ٨/٣٨٦، والمستدرك للحاكم ٢/٢٣٥. ٢ محمَّد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ - بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة - التميمي المدني (ثقة) من الخامسة. (تقريب ٢٧٩) . ٣ أخرجه الطبري (التفسير ٥/٢٢٥) وسنده إلى ابن زيد صحيح لكنَّه منقطع، محمَّد ابن زيد من الخامسة. ٤ عزاه ابن حجر (إصابة ١/٢٣٣) لابن منده، ثُمَّ قال عن إسناده: هذا إسنادٌ مجهول.
[ ١٥٣ ]
الليثي، وقيل: "نزلت في رجل من بني ليث يقال له: "فليت، كان على سرية، وقيل: "نزلت في أبي الدرداء، وهذا اضطراب شديد جدًا"١".
وقال القرطبي: "واختلف في تعيين القاتل، والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر وهو في سيرة ابن إسحاق، ومصنَّف أبي داود، والاستيعاب لابن عبد البر: "أنَّ القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط، ولا خلاف أنَّ الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم بن جثامة الذي ذكرناه، ولعلَّ هذه الأحوال جرت في زمان متقارب، فنزلت الآية في الجميع"٢".
وقال القريبي: "والأحاديث مجموعها تدل على أنَّ هذه القصة حصلت لمحلم بن جثامة الليثي في قتله عامر بن الأضبط الأشجعي، بعد أن ظهر منه ما يدل على أنه مسلم، وأنه نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ ٣".
وقال ابن حجر: "وإن ثبت الاختلاف في تسمية من باشر القتل مع الاختلاف في المقتول احتمل تعدُّد القِصَّة٤".
وقال الزرقاني: "يُحْتَمَل تعدُّد القِصَّة، وتكرير نزول الآية٥".
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: الاستيعاب، هامش الإصابة لابن حجر ٣/٤٩٧ – ٤٩٨. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٥/٣٣٦ – ٣٣٨. ٣ مرويات غزوة حنين وحصار الطائف ٢/٦٢٧. ٤ إصابة ٣/٤٠١. ٥ شرح المواهب ٢/٢٨٦.
[ ١٥٤ ]
وقال المراغي: "ولا مانع من تعدُّد الوقائع قبل نزول الآية، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأها على أصحاب كُلّ واقعة، فيرون أنَّهم سبب نزولها١".
قلت: "إن ثبت تعدُّد هذه القصة، فإنَّ الآية لا يمكن أن تكون نصًّا عليها جميعها، فإنَّ هنالك اختلافًا بيِّنًا في بعض عناصرها، وإن بدت وكأنَّ نتيجتها واحدة، وهي زجر رسول ﷺ عن قتل مَن بدت منه شبهة تدرأ عنه ذلك حتَّى يتم التأكد من حقيقته، فمثلًا قصة أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، لا تنطبق عليها هذه الآية من عِدَّة وجوه:
- الأحاديث التي أوردت قصة أُسامة - رضي الله تعالى عنه، ومنها أحاديث الصحيحين لم تتطرَّق لذكر نزول آية في قصَّته، ولو كانت الآية نزلت فيه فعلًا لما أغفلتها تلك الأحاديث نظرًا لأهمية الآية فيموضوع القصة وتدعيمًا لها، ونظرًا لاستقصاء المحدثين وتتبعهم الشديد والمتقن لمثل هذه الأمور".
- الآية نفسها لا تنطبق على أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، لأنه لم يك مشركًا في يومٍ من الأيام، بل إنه وُلِدَ في الإسلام، كما شبَّ وترعرع في عزه ودولته في المدينة، فلم يك هنالك داعٍ لكتمان إيمانه، كما أوضحت بعض الروايات قصة المقداد".
_________________
(١) ١ تفسير المراغي ٥/١٢٦.
[ ١٥٥ ]
- التقريع والتوبيخ الوارد في الآية لا يتناسب - أيضًا - مع ما صحَّ في قصَّة أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، من أنه قتل ذلك الرجل المتعوِّذ اجتهادًا منه في أنه لم ينطق بالشهادة إلاَّ خوفًا من السيف، بخلاف ما وقع في قصَّة محلم بن جثامة، فالدوافع التي جعلته يقتل عامر ابن الأضبط تختلف عنها في قصَّة أسامة حيث إنَّ قتله لعامر لم يكن اجتهادًا منه بقدر ما كان طمعًا في ماله، وبسبب ما كان بين الاثنين من إحن وتخاصُم في الجاهلية".
الأمر الآخر، وهو الذي يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو عدم إمكان تعدُّد قصَّة أُسامة - رضي الله تعالى عنه - في عِدَّة مواطن، كما أشار بذلك الحلبي١". بل هي قصَّة واحدة حدثت في موطنٍ واحدٍ". ولكنَّ السؤال هو: "أين حدثت؟ ".
فالذي في الصحيحين، وكتب الحديث الأخر: "أنَّ البعث كان إلى الحرقات من جهينة، والذي في المغازي أنه كان لبني مرة بالقرب من فدك، وأنَّ المقتول كان حليفًا لهم من الحرقة".
فهل يُعد ذلك تباينًا بين الروايتين، رواية أهل الحديث، ورواية أهل المغازي؟ ".
_________________
(١) ١ سيرة ٣/١٩٤.
[ ١٥٦ ]
فالذي تشير إليه كتب الأنساب أنَّ ديار الحرقات كانت قريبة من ديار بني مرة، بدليل أنَّ الحرقة، وهم بنو الحميس لُقِّبوا بالحرقة لأنهم أحرقوا بني مرّة قتلًا بالنبل في حربٍ دارت بينهما، ومعلومٌ بداهةً أنَّ كلتا القبيلتين غطفانيتان، ومنازل غطفان تمتد حول منطقة خيبر، ووادي القرى، وفدك".
كما أنَّ ما ذكر في روايات أهل المغازي من أنَّ المقتول كان حليفًا لبني مرة، وما أخرجه البخاري في التاريخ، والبيهقي بسندٍ لا بأس به، عن أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - قال:
[١٥] "أدركت أنا ورجل من الأنصار - يعني مرداس بن نهيك - ثُمَّ ذكر الحديث" ١.
فالنَّص على تسمية الرجل هنا، وموافقة ذلك لروايات أهل المغازي السابقة، كُلُّ ذلك يعدّ قرائن على اتحاد قصَّة أهل الحديث بقصة أهل المغازي، وأنَّهما قصة واحدة، رويت بأسانيد مختلفة، وسياق مختلف نوعًا ما". والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (تاريخ ١/٢٠)، والبيهقي (دلائل ٤/٢٩٧) من حديث محمَّد بن أُسامة بن محمَّد بن أُسامة، عن أبيه، عن جده أُسامة بن زيد.
[ ١٥٧ ]