المطلب الأول: تشاور المسلمين في معان:
وفي مآب من البلقاء١، احتشدت جيوش الحلفاء من الروم والقبائل العربية المتنصرة، فلمَّا علم المسلمون بأمر جموعهم المتفوقة عليهم فواقًا ساحقًا، أقاموا على معان٢ ليلتين يفكرون في أمرهم، واستشار زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - أصحابه، فقال له بعضهم:
_________________
(١) ١ مآب - بعد الهمزة المفتوحة ألف، وباء موحدة - وهي مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء، افتتحها أبو عبيدة رضي الله تعالى عنه في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه سنة ثلاث عشرة، وجاء في تقويم البلدان: أنَّ مآب مدينة قديمة قد بادت، وصارت قرية تُسَمَّى الربة، وهي من معاملة الكرك على أقل من نصف مرحلة إلى الشمال منها، وهي اليوم قرية صغيرة حيّة من محافظة الكرك. (انظر: الحموي: معجم ٥/٣١، الملك المؤيد: تقويم البلدان ٤٧، علي العتوم: تجربة مؤتة ٣٩) . ٢ معان - بالفتح، وآخره نون - وهي مدينة في أطراف الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء، وهي عاصمة إقليم الشراة، ومفترق طرق. ومعان اليوم إحدى مدن الأردن المزدهرة، ويبلغ عدد سكانها حوالي خمسةً وعشرين ألف نسمة، وجديرُ بالذِّكر أنَّ معان تبعد عن المدينة المنورة حوالي (٨١٠) كيلًا، وعن مؤتة حوالي (١٥٠) كيلًا. (انظر: البكري: معجم ٤/١١٧٢ - ١٢٤١، الحموي: معجم ٥/١٣٥، البلادي: معجم ٣٠٠، رحلات في بلاد العرب ١٤٧، علي العتوم: تجربة مؤتة ٢٨ نقلًا عن الدستور الأردنية ١٠/٩/١٩٨٤ م ص ٧) .
[ ٢٩١ ]
[٤٣] "نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإمَّا أن يُمدَّنا بالرجال، وإمَّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له"١.
ويذكر الوليد بن مسلم٢ أنَّ بعض المسلمين نصح زيد بالانصراف، مكتفيًا بما حقَّقه من مكاسب معنوية، قائلًا له:
[٤٤] "قد وطئت البلاد، وأخفت أهلها، فانصرف، فإنه لا يعدل العافية شيء، وعبد الله بن رواحة ساكت، فسأله زيد عن رأيه فقال: "إنَّا لم نسر إلى هذه البلاد ونحن نريد الغنائم، ولكنَّا خرجنا نريد لقاءهم، ولسنا نقاتلهم بعددٍولاعُدَّة، فالرأي المسير إليهم"٣.
[٤٥] "فشجَّع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: "يا قوم، والله إنَّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة وكثرة، ما نقاتلهم إلاَّ بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنَّما هي إحدى الحسنيين، إمَّا ظهور، وإمَّا شهادة، قال: "فقال الناس: "قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس"٤. وقبل زيد رأيه وسار إليهم.
_________________
(١) ١ من مرسل عروة عند ابن هشام، وقد سبق تخريجه برقم [٣١] . ٢ الوليد بن مسلم القرسي، مولاهم، أبو العباس الدمشقي (ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية) من الثامنة. مات آخر سنة أربع، أو أوَّل سنة خمس وتسعين. (تقريب ٥٨٤) . ٣ من رواية ابن عائذ عن الوليد بن مسلم، وقد سبق تخريجها برقم [٤١] . ٤ من مرسل عروة عند ابن هشام، وقد سبق تخريجه برقم [٣١] .
[ ٢٩٢ ]
"إنَّ تشجيع عبد الله بن رواحة المسلمين على قتال الروم وحلفائهم، واستجابة المسلمين لهذا التشجيع، له دلالة لا يُمكن أن يختلف فيها اثنان، هي أنه كان يثق ثقةً عالية برجاله، وأنَّ رجاله كانوا يثقون به ثقةً مُطْلَقة، والثقة المتبادلة بين القائد ورجاله من أهمِّ مزايا القائد المتميِّز، ولا يمكن أن يثق الرجال بقائدهم ثقةً مُطلَقة عفوًا وبدون أسباب، كما أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يولي المراكز القيادية إلاَّ لأشخاص لهم مؤهلات عالية، ومزايا واضحة المعالم، فقد كان - ﵊ - يحرِصُ أعظم الحِرْص على تولِّي الرجل المناسب للعمل المناسب، تطبيقًا لتعاليم الإسلام في الولاية، وثقة النَّبيّ ﷺ بعبد الله بن رواحة، وثقة رجال عبد الله بن رواحة به، أسبابها وحوافزها واحدة، وهي تَمَتُّع عبد الله بن رواحة بالإضافة إلى عمق إيمانه، بمزايا قيادية أهَّلته لأن يكون أحد قادة النَّبيّ ﷺ ١".
ويعتقد بعض المحلِّلين والمنَظِّرين العسكريين، وغيرهم من المؤرِّخين المعاصرين، أنَّ تشجيع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - للمسلمين، واندفاعه بهم نحو العدوّ، رغم تفوقهم العددي، وقُرْب قواعدهم، كان مغامرة خطرة، ومجازفة مهلكة، وخطأً عسكريًا فادحًا، وذلك بموجب المقاييس المادية٢".
_________________
(١) ١ خطَّاب: القادة الشهداء ١٨٢-١٨٣. ٢ انظر: خطَّاب: القادة الشهداء ١٨١، الغزالي: فقه السيرة ٣٦٦، باشميل: غزوة مؤتة ٢٨٤-٢٨٥.
[ ٢٩٣ ]
ولكن المقاييس المادية تُطَبَّق على الذين يعتمدون الوسائل المادية وحدها في حروبهم، أمَّا الذين يحاربون حربًا عقديَّة، جهادًا في سبيل الله، ودفاعًا عن عقيدتهم، وعن حُرِّية انتشارها، فلا تُطَبَّق عليهم المقاييس المادية وحدها، التي تُطَبَّق على غيرهم في حروبٍ استثماريَّةٍ أو توسُّعِيَّةٍ من أجل أمجادٍ شخصيةٍ، وأحقاد عنصرية أو طائفية، وعلى ذلك فلا تُطَبَّق هذه المقاييس المادية على أمثال عبد الله بن رواحة، لأنَّهم كانوا يخوضون حربًا عقديَّة لا دخل للمادَّة فيها من قريبٍ أو بعيد، وإلاَّ فماذا يمكن أن يُقال في غزوة بدر الكبرى الحاسمة، بالنسبة للمقاييس المادية وحدها، وكان تفوُّق المشركين على المسلمين بنسبة ثلاثة على واحد في الأشخاص، وبنسبة مائة على واحد بالخيل، والخيل أنجح سلاح في الحروب القديمة؟!
لقد حرَّض عبد الله بن رواحة المسلمين على القتال لأغراضٍ عقديَّة، فكان تحريضه خطأً بالنسبة للمقاييس المادية، ولكنه كان عين الصَّواب بالنسبة للجهاد والحرب العادلة التي كان يخوضها المسلمون حينذاك١.
ولكي نعرف مدى اندفاع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - وحماسه لخوض حرب عقائدية إيمانية هدفها إعلاء كلمة الله ﷿، وإعزاز دينه، وأقصى ما يتمناه فيها هو نيل شرف الشهادة، وبذل روحه رخيصة في سبيل الله ﷿، يحدِّثُنا زيد ابن أرقم - رضي الله تعالى عنه - وكان من المشاركين في مؤتة - قال:
_________________
(١) ١ خطَّاب: القادة الشهداء ١٨٢-١٨٣.
[ ٢٩٤ ]
[٤٦] "كنت يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو يُنشِد أبياته هذه:
إذا أويتني وحملت رحلي مسيرة أربعٍ بعد الحساء١
فشأنك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي٢
وجاء المسلمون وغادروني بأرض الشام مشتهى الثواء٣
في أبيات" قال: "فلمَّا سمعتهنَّ منه بكيت". قال: "فخفقني بالدرة٤، وقال: "ما عليك يا لُكع٥ أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل٦"٧".
_________________
(١) ١ الحساء: جمع حسى، وهو ماء يغور في الرمل، وإذا بُحِثَ عنه وُجِد. (شرح السيرة للخشني ٢٨) . ٢ قوله: ولا أرجع، فهو مجزوم على الدعاء، دعا على نفسه أن يستشهد ولا يرجع إلى أهله. (المصدر السابق) . ٣ الثواء: الإقامة. (المصدر السابق) . ٤ خفقني: أي ضربني. والدرة: السوط. (أبو ذر: شرح السيرة ٢٩) . ٥ اللكع: اللئيم. (المصدر السابق) . ٦ شعبتا الرحل: طرفاه المقدّم والمؤخّر. والحقيبة: ما يجعله الراكب وراءه إذا ركب. (المصدر السابق) . ٧ ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٣٧٦) من حديث ابن إسحاق، حدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدّث عن زيد بن أرقم وسنده فيه مبهم. وقد أخرج ابن عساكر (تاريخ دمشق، عبد الله بن جابر، وعبد الله بن زيد ص ٣٤٨) بسنده عن الزهري بعضه. وأخرج البعض الآخر بسنده عن ابن إسحاق موصولًا ومختصرًا، إلى زيد، وسنده حسن.
[ ٢٩٥ ]
وكما اندفع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - بفورة حماس إيمانية زخمة، اندفع - أيضًا - بفورة حماس شاعرية رائعة، راح يُصَوِّر فيها مقام المسلمين في معان، ثُمَّ انطلاقهم بقوة وحماس إيماني نحو عدوهم المتربص في مآب:
[٤٧] جلبنا الخيل من أجام قرح١ تغر من الحشيش لهاالعكوم٢
حذوناها من الصوان سبتًا٣ أزل كأنَّ صفحته أديم٤
أقامت ليلتين على معان فأعقب بعد فترتها جموم٥
فرحنا والجياد مسومات تنفس في مناخرها السموم٦
فلا وأبي مآب لنأتينها وإن كانت بها عرب وروم
_________________
(١) ١ قرح: هو موضع كان بوادي القرى من صدره، فغلب عليه اسم العُلا لأنه أعلى الوادي، وكان سوقًا مشهورة في الجاهلبة، وهو اليوم مدينة العُلا. (البلادي: معجم المعالم ٢٥٠، ومرداد: مدائن صالح ٦٤) . ٢ العكوم: جمع عكم. وهو الجنب. (أبو ذر: شرح السيرة ٢٧) . ٣ حذوناها: أي جعلنا لها حذاءً وهو النَّعل. والصوان: حجارة مُلْس، واحدتها: صوانة. والسبت: النعال التي تُصْنَع من الجلود المدبوغة. ٤ أزل: أملس. صفحته ظاهرة. والأديم: الجلد. (المصدر السابق) . ٥ الجموم: استراحة الفرس. (المصدر السابق) . ٦ مسومات: أي مرسلات. والسموم: الريح الحارَّة. (المصدر السابق) .
[ ٢٩٦ ]
عبأنا أعنتها فجاءت عوابس والغبار لها بريم١
_________________
(١) ١ البريم: الحزام. وأصل البريم خيط تنظمه المرأة ثُمَّ تشده على وسطها. (المصدر السابق) . وهذا الشعر ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٣٧٥-٣٧٦) عن ابن إسحاق الذي رواه معضلًا بلا سند.
[ ٢٩٧ ]