هذا وقد أشعلت الحملات والاختراقات البطولية - التي قام بها القادة الثلاثة في العمق داخل صفوف العدو رغم تفوقه العَدَدِي والعُدَدِي - أشعلت حماس المسلمين جميعًا، واشتعل القتال على طول الجبهة، وأبدى المسلمون من صنوف البطولات الجماعية، والفردية، أسوة بقوَّادهم ما أذهل الروم وحلفاءَهم.
[٥٩] فهذا عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - كما يذكر الأوزاعي في رواية - وفي مجلس من مجالس الأنصار في المدينة، ومعهم نفر منهم، حين نزل قول الله - ﵎: ﴿إنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ . [سورة الصّفّ، الآية ٤:] . يعاهدون الله - ﵎ - على الجهاد في سبيله حتى الموت، فلمَّا أخذ عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - الراية، فصاح بأولئك النَّفر الذين حضروا ذلك المجلس، فتلا عليهم الآية وقال لهم: إنَّ ما كنتم عاهدتم الله عليه قد جاء مصداقه، "اصدقوا الله يصدقكم، فجاءوا يخبُّون١ كأنَّهم
_________________
(١) ١ الخَبَب - محرَّكة - ضرب من العدو، أو كالرمل، أو أن ينقل الفرس أيامنه جميعًا، وأياسره جميعًا، أو أن يراوح بين يديه، والسرعة خب خبًا وخبيبًا وخببًا. (القاموس: خبب) .
[ ٣١٩ ]
بقر نُزِعَت من تحتها أولادها، فتقدَّموا بين يديه، فلمَّا شدَّ على الروم شدُّوا معه حتى شُدِخُوا١ جميعًا"٢.
وهذا عوف بن مالك الأشجعي٣ - رضي الله تعالى عنه -، أحد شهود العيان والمشاركين في مؤتة، يُحَدّثنا عن إحدى تلك البطولات، فيقول:
_________________
(١) ١ الشدخ: الكسر في كل شيء رطب أو يابس، وقيل: هو التهشيم. وقال الليث: الشدخ كسرك الشيء الأجوف، كالرأس ونحوه. وفي الحديث: فشدخوه بالحجارة. (اللسان، والقاموس: شدخ) . ٢ أخرجه ابن عساكر: تاريخ (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد ص ٣٥١-٣٥٢) من حديث ابن عائذ بسندٍ صحيحٍ عن الأوزاعي، لكنَّه منقطع، الأوزاعي من السابعة، والمجلس الذي ورد ذكره في الحديث أخرجه ابن عساكر (تاريخ ٥/٣١٤- ٣١٥) من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿صَفًّا كَأَنهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢-٤]، نزلت في نفرٍ من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا في مجلسِ من المجالس: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله ﷿ لعملنا به حتى نموت. قال ابن رواحة: لا أزال حبيسًا في سبيل الله ﷿ حتى أموت، فَقُتِلَ شهيدًا ﵀. وأخرجه ابن المبارك في (الجهاد: ١٦) به نحوه، وسنده فيه عنعنة ابن جريج، وهو ثقة لكنَّه كان يدلِّس. كما أخرجه الطبري (تفسير ٢٨/٨٤) بسنده عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، وفيه أيضًا عنعنة ابن أبي نجيح، وهو ثقة ربَّما دلَّس. ٣ عوف بن مالك الأشجعي، أبو حمَّاد، ويقال: أبو عبد الرحمن. ذكر ابن حجر في التقريب أنه من مسلمة الفتح. قلت: وأظنه سبق قلم منه ﵀، حيث ذكر في الإصابة والتهذيب عن الواقدي أنه شهد خيبر، أو كأنَّ ابن حجر لم يأخذ بقول الواقدي لضعفه، ولكن يشهد له هذا الحديث الصحيح كما جزم بذلك أبو عمر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح وسكن الشام وعمَّر، ومات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثلاثٍ وسبعين. انظر: (ابن سعد: طبقات ٤/٢٨٠-٢٨١، ابن عبد البر: الاستيعاب هامش الإصابة ٣/١٣١، ابن حجر: إصابة ٣/٤٣، تهذيب ٤/٤٢٤، تقريب ٤٣٣) .
[ ٣٢٠ ]
[٦٠] "خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فرافقني مدَدِّيُّ١ من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجلٌ من المسلمين جزورًا٢، فسأله المدَدِّيُّ طائفة من جلده٣، فأعطاه إيَّاه، فاتَّخذه كهيئة الدرق٤، ومضينا، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب، فجعل الرومي يفري٥ بالمسلمين، فقعد له المدَدِّيُّ خلف صخرة، فمرَّ به الرومي فعرقب فرسه٦، فخرَّ٧ وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه"٨.
_________________
(١) ١ أي: من أمداد اليمن، وقد سبق التعريف بهم. ٢ الجزور: البعير، أو الناقة المجزورة، أي المنحورة. ٣ طائفة من جلده: أي قطعة من جلده. ٤ الدرق: ضرب من الترسة، الواحدة: درقة، تُتَّخذ من الجلود. ٥ كناية عن المبالغة في القتل. ٦ عرقب فرسه: أي قطع عرقوبه، وهو عصب غليظ في رجل الدَّابة بمنْزلة الركبة في يدها. ٧ خرَّ: أي سقط من علو. ٨ أخرجه مسلم (الصحيح ٤/٢٤)، وأبو داود (سنن ٣/١٦٣) وهذا لفظه. وأحمد (المسند، حديث رقم: ٢٣٩٩٦٠) . كلّهم من حديث الوليد بن مسلم، حدَّني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك ﵁. كما أخرجه ابن حبان (انظر: الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان حديث ٤٨٢٢) به نحوه. إلاَّ أنه قال فيه: "إنَّ مَدَدِيًّا في غزوة تبوك رافقهم " فذكر باقي الحديث نحوه. قلت: قوله: "في غزوة تبوك" وهم، فالثابت أنَّ ذلك كان في غزوة مؤتة كما مرَّ. والله تعالى أعلم.
[ ٣٢١ ]
[٦١] ويتصدَّى عقيل بن أبي طالب١ - رضي الله تعالى عنه - لرجلٍ آخر فيقتله بعد مبارزةٍ بالسيوف٢.
ولكن، ومع تلك البطولات التي أبداها المسلمون قُوَّادًا وأفرادًا، إلاَّ أنه بمقتل عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، آخر قائد مُعَيَّن في المعركة، انفرط عِقد المسلمين و"صار المسلمون لا قائد لهم يحفظ نظامهم"٣.
"وأصبح الموقف الآن خطيرًا، ومن الممكن أن يتحوَّل بسهولة إلى ما هو أسوأ، ويؤدي إلى هزيمة تامة للمسلمين"٤.
_________________
(١) ١ عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أخو عليّ وجعفر، وكان الأسنّ. (صحابي، عالمٌ بالنّسب)، مات سنة ستّين. وقيل: بعدها. (تقريب ٣٦٩) . ٢ ذكره الطبراني في (المعجم الأوسط ١/٢٦٥-٢٦٦) من حديث جابر بن عبد الله، وقال عنه الهيثمي: فيه عبد الله بن محمَّد بن عقيل، وهو حسن الحديث، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. قلت: قال عنه ابن حجر: (تقريب ٣٢١): صدوق، في حديثه لين. ٣ أبو زيد، شلبي: سيف الله خالد بن الوليد ٦٣. ٤ الجنرال أكرم: سيف الله ١٠٥.
[ ٣٢٢ ]
المطلب الرابع: تولي خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - القيادة وانسحابه بالمسلمين:
ويدرك ثابت بن أقرم، أخو بني العجلان - رضي الله تعالى عنه١ - هذه الحقيقة، فيحاول تدارك الموقف، ويحتوي خطورته قبل تفاقمها، فيخطف اللواء من يد عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - قبل أن يسقط أرضًا:
[٦٢] "ثُمَّ سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه، ثُمَّ قال: إليَّ أيها الناس فاجتمع إليه الناس"٢.
[٦٣] "فقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجلٍ منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد"٣ - رضي الله تعالى عنه.
_________________
(١) ١ ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان البلوي، حليف الأنصار، ذكره موسى ابن عقبة في البدريين، واتَّفق أهل المغازي على أنَّ ثابت بن أقرم قُتِل في عهد أبي بكر قتله طليحة بن خويلد الأسدي. (إصابة ١/١٩٠) . ٢ أخرجه ابن سعد (طبقات ٢/١٣٠) من حديث أبي عامر الأشعري رضي الله تعالى عنه. وسنده ضعيف. كما مرَّ في ص ٢٧٢، حاشية رقم: (٣) . ٣ من رواية ابن إسحاق بسندٍ حسن إلى شاهد العيان من بني مرَّة. وقد سبق تخريجها برقم [٥٥] .
[ ٣٢٣ ]
"وثابت أبى القيادة، لا نُكُوصًا١ عن الموت، بل شعورًا بوجود الأكفأ منه في الجماعة، وحملانه الراية خشية أن تسقط من آيات الجرأة في هذا الموقف العصيب"٢.
"ولقد كان خالد عند ظن أصحابه، لمعت عبقريته القتالية في لحظة الامتحان الخطير هذه، فجعل هدفه أن ينسحب بالمسلمين"٣.
فقد "كانت المهمَّة الأساس المنوطة بخالد في تلك الساعة العصيبة من القتال أن ينقذ المسلمين من الهلاك الجماعي، فبعد أن قدَّر الموقف واحتمالاته المختلفة قدرًا دقيقًا، ودرس ظروف المعركة درسًا وافيًا، وتوقع نتائجها، اقتنع بأنَّ الانسحاب بأقل خسارة ممكنة هو الحل الأفضل"٤.
ولأنَّ "قتال الانسحاب شاق مرهق، وبخصاصة وأنَّ خالد لا يريد إشعار الروم بهذه الخطة"٥، "لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين"٦.
من أجل ذلك رأى القائد الذكي المحنَّك، أنه حتى يؤَمِّن انسحابه من ميدان المعركة بقوَّةٍ وانتظام، وبأقل خسائر، لا بدَّ أن يستخدم
_________________
(١) ١ نَكَصَ عن الأمر نُكُوصًا، ونَكْصًا ومنكصا: تكأكأ عنه وأحجم. ٢ الغزالي: فقه السيرة ٣٦٨. ٣ خليل: دراسة في السيرة ٢٩٨. ٤ ياسين سويد: معارك خالد بن الوليد ١٧١. ٥ الغزالي: فقه السيرة ٣٦٩. ٦ خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٨.
[ ٣٢٤ ]
أُسلوب (الهجوم أفضل وسيلة للدفاع)، فبدأ في "تحقيق هدفه، بأن رسم خطَّةً سعى فيها إلى إيهام العدو أنَ المسلمين لازالوا في أماكنهم يقاتلون، فدفع مقدمتهم إلى مناوشة العدو"١. بينما تحرَّك ببقية الجيش، وأعاد تنظيم قوَّاته، وألَّف مؤخرة قوية لحماية الانسحاب من ميدان المعركة.
"لقد كان خالد قائدًا ماهرًا، محرِّكًا للجيوش لا نظير له، أُلْهِمَ القيادة إلهامًا، فهو يستعين في مواقفها بكُلِّ ما عرفت الحرب من فنٍّ يستخدمه على السليقة٢، وعلى البصيرة الملهمة، فدار بالجيش دورةً ضمَّ بها صفوفه، ثُمَّ قاتل به في غير اندفاع، ومع ذلك في غير تراجع، وكان بذاته قدوةً للمسلمين"٣.
يقول - رضي الله تعالى عنه - واصفًا قوَّة الانسحاب الذي نفَّذه مع المسلمين، وشِدَّة القتال، وضراوته في أثناء الانسحاب، نتيجة ضغط العدوِّ عليهم -:
[٦٤] "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلاَّ صفيحة يمانية"٤.
ولمَّا رأى المسلمون ما يصنعه خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه، ازدادت حميتهم للقتال، واشتعل حماسهم، فهاجموا بعنف على طول
_________________
(١) ١ خليل: دراسة في السيرة ٢٩٩. ٢ السليقة: يعني على الفطرة والطبيعة. ٣ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٦. ٤ أخرجه البخاري (الصحيح ٥/٨٧) .
[ ٣٢٥ ]
الجبهة، فالمثل الذي ضربه خالد - رضي الله تعالى عنه - لهم قد أثار الحميَّة والشجاعة في صفوف المسلمين، وازدادت المعركة عنفًا١، لدرجة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: وهو يصف أحداث المعركة للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في المدينة:
[٦٥] "الآن حمي الوطيس " ٢.٣.
نعم! لقد حمي وطيس المعركة بين الطرفين، حتى إنَّ المسلمين نسوا ما أصابهم بفقدان قادتهم الثلاثة في بداية المعركة:
[٦٦] فيندفع قطبة بن قتادة العذري، قائد ميمنة المسلمين، إلى الأمام، فيطعن مالك بن رافلة الأراشي، قائد العرب المتنصرة، حلفاء الروم في المعركة، برمحٍ مضى فيه ثُمَّ انحطم، كما وصف ذلك في شعره الذي قاله مفتخرًا بقتله:
طعنت ابن رافلة بن الأراشي برمحٍ مضى فيه ثُمَّ انحطم
ضربتُ على جِيدِه ضربةً فمال كما مال غصن السلم٤
_________________
(١) ١ الجنرال أكرم: سيف الله ١٠٦. ٢ الوطيس: الضراب في الحرب، ولم يُسمع هذا الكلام من أحد قبل النَّبيّ ﷺ، وهو من فصيح الكلام عبَّر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق. (الشامي: سبل ٦/٢٥٩-٢٦٠) . ٣ أخرجه ابن عساكر (تاريخ ٥/٥٤٤) من رواية ابن عائذ بسنده عن العطَّاف بن خالد وهو منقطع. ٤ من رواية ابن إسحاق، وقد سبق تخريجها برقم [٥] .
[ ٣٢٦ ]