قلت: اختلف في هذه السرية، وقائدها على قولين:
ذكر أهل المغازي المتقدمين، كابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، وابن عائذ هذه السرية، وأنَّ قائدها زيد بن حارثة - ﵁، وأنَّ سلمة بن الأكوع - ﵁ - كان معهم في السرية، وأنه أصاب جارية جميلة من بني فزارة، ذكر أهل المغازي أنَّها بنت أُمّ قرفة، وأنَّ رسول الله ﷺ استوهبها من سلمة، فوهبها له، فأهداها رسولُ الله ﷺ لخاله حزن بن أبي وهب١.
- وأخرج أهل الحديث "مسلم، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة" عن سلمة بن الأكوع - ﵁، قال:
[٣] "غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمَّره رسول الله ﷺ علينا فذكر الحديث"٢.
_________________
(١) ١ انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٦١٧، الواقدي: مغازي ٢/٥٦٤-٥٦٥، ابن سعد: طبقات ٢/٩٠-٩١، وابن سيد الناس: عيون ٢/١٤٢. وقال ابن سيّد الناس: "ذكر محمَّد بن إسحاق، ومحمَّد بن سعد: أنَّ أمير هذه السرية زيد بن حارثة، وقد رُوّينا في صحيح مسلم أنَّ رسول الله ﷺ بَعَثَ أبا بكر إلى بني فزارة". (عيون الأثر ٢/١٤٢) . ٢ أخرجه مسلم (الصحيح٤/٢٥-٢٦)،وأحمد (المسند، حديث رقم: ئ ١٦٥١٧)، وأبو داود (انظر: عون المعبود، حديث رقم:٢٦٨٠)،والنسائي (السنن الكبرى: ٥/٢٧١)، وابن ماجه (السنن، حديث رقم: ٢٨٤٦)، جمعيهم من حديث عكرمة ابن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه بن الأكوع. إلاّ أن البعض اختصر الحديث. والله تعالى أعلم.
[ ٥٣ ]
وذكر فيه قصة أسره لامرأةٍ من بني فزارة، ومعها ابنة لها من أحسن العرب، وأنَّ أبا بكر نفله إيَّاها، وأنه قدم بها المدينة، وأنَّ رسول الله ﷺ سأله إيَّاها فوهبها له، فبعَثَ بها رسولُ الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسرى بمكة١.وحاول المتأخرون من أهل المغازي الجمع، أو ترجيح إحدى الروايتين على الأُخرى، فقد نقل الحلبي، والزرقاني عن الشامي الجمع بين الروايتين حيث قال: "يُحتمل أنَّهما سريتان، اتَّفق لسلمة بن الأكوع فيهما ذلك، أي إحداهما لأبي بكر، والأخرى لزيد بن حارثة، ويؤيد ذلك أنَّ في سرية أبي بكر أنَّ رسول الله ﷺ بعَثَ ببنت أُمّ قرفة إلى مكة ففدى بها أسرى كانوا في أيدي المشركين، وفي سرية زيد وهبها لخاله حزن بمكة. قال: ولم أرَ من تعرَّض لتحرير ذلك"٢.
_________________
(١) ١ مِمَّا يجدر ذكره أنَّ أهل المغازي لم يذكروا سريَّة أبا بكر ﵁ لبني فزارة، ما عدا ابن سعد (الطبقات ٢/١١٨) الذي عَنْوَن لها ب (سرية أبي بكر الصِّدِّيق - ﵁ - إلى بني كلاب بنجد"، ثُمَّ يسوق بسنده عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - حديثه عن سرية أبي بكر - ﵁ - إلى بني فزارة. ٢ انظر: الحلبي: سيرة ٣/١٨١، الزرقاني: شرح ٢/١٦٤.
[ ٥٤ ]
وتعقَّبه الحلبي، والزرقاني، بأنَّ في هذا الجمع نظرًا؛ لأنه يقتضي أنَّ أُمَ قرفة تعدَّدت، وأنَّ كُلَّ واحدة كانت لها بنت جميلة، وأنَّ سلمة بن الأكوع أسرهما، وأنَّه ﷺ أخذهما منه. وفي ذلك بعد، إلاَّ أن يُقال: لا تعدُّد لأُمّ قرفة وتسمية المرأة في سرية أبي بكر أُمّ قرفة وَهَمٌ مِن بعض الرواة، ويدل عليه أنَّ بعضهم أوردها ولم يسم المرأة أُمّ قرفة، بل قال: فيهم امرأة من بني فزارة معها ابنة لها من أحسن العرب١.
وفيه توهيم رواية الصحيح بلا حُجَّة، فإنَّ تسميتها فيه من زيادة الثقة، فما في الصحيح أصحَّ كما قال السهيلي٢.
قلت: رجَّح السُهيلي ما ورد في روايات أهل الحديث حول الجارية التي استوهبها رسول الله ﷺ من سلمة ففدى بها أسيرين من المسلمين كانوا بمكّة على روايات أهل المغازي، ومنهم ابن إسحاق، الذين ذكروا أنه - ﷺ - وهبها لخاله حزن بمكّة٣، ووافقه الزرقاني على ذلك مُعَمّمًا هذا الحكم على باقي الرواة وبخاصّةً كون القائد أبا بكر الصّدّيق - ﵁، وليس زيد ابن حارثة - ﵁، كما ذكرت روايات أهل المغازي٤.
_________________
(١) ١ الحلبي: سيرة ٣/١٨٢. ٢ الزرقاني: شرح ٢/١٦٤. ٣ السهيلي: الروض ٧/٥٢٨. ٤ الزرقاني: شرح ٢/١٦٤.
[ ٥٥ ]
وقد جمع ابن حجر بين ما ذكره أهل المغازي حول قيادة زيد ابن حارثة - ﵁ - للسرية، وما ذكره مسلم من رواية سلمة - ﵁، وكأنه - أي ابن حجر - معتبرٌ إيَّاها قصّةً واحدة١.
ولو أمعنا النَّظر في الروايتين: رواية أهل المغازي، ورواية أهل الحديث، لأمكن استنباط قرائن قوية تدل على اتّحاد القصة، وأنَّ أحداثها تدور حول سرية واحدة، فمن ذلك مثلًا:
- أنَّ كلتا الروايتين تشير إلى أنَّ السرية كانت موجهة لبني فزارة.
- أشارت روايات أهل الحديث أنَّ قائد السرية صبَّح القوم ثُمَّ أمر بشن الغارة عليهم دون سابق إنذار٢، ووقع مثل ذلك في روايات أهل المغازي٣.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر (فتح ٧/٤٩٨-٤٩٩، باب غزوة زيد بن حارثة) بعد أن ذكر حديث سلمة بن الأكوع ﵁: وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا - وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد بن حارثة فبلغت سبعًا. كما قاله سلمة، وإن كان بعضهم ذكر ما لم يذكره آخرون ثُمَّ ساق أسماء تلك السرايا إلى أن قال: والسابعة إلى ناس من بني فزارة ثُمَّ قال: ولعلَّ هذهالأخيرة مراد المُصَنِّف، وقد ذكر مسلم طرفا منها من حديث سلمة بن الأكوع. ٢ وقد جعل البيهقي هذا الحديث تحت باب جواز ترك دعاء مَن بلغته الدعوة. (السنن ٩/١٠٧) . ٣ وقع ذلك في رواية الواقدي، وابن سعد، والسبب أنهما ذكرا تفاصيل لم تذكرها الروايات الأخرى.
[ ٥٦ ]
مِمَّا يدل على أنَّ هدف السريتين كان هو المباغتة لتأديب أولئك الأعراب، والمباغتة لا تكون إلاَّ لقومٍ قد بلغتهم الدعوة فأصرُّوا واستكبروا، وبدت منهم العداوة للمسلمين، وتبليغ الدعوة يكون إمَّا بكتاب يبعثه رسول الله ﷺ، أو بعثة دعوية، أو سرية سابقة كما حدث بالنسبة إلى بني فزارة، حيث أُرسل إليهم زيد ابن حارثة - ﵁ - في سرية، فقاتلوه وأصابوا أصحابه، فكانت المباغتة في السرية الثانية لأجل تأديبهم لما كان منهم في السرية الأولى، والله تعالى أعلم.
- ذِكْر المرأة الفزارية وابنتها الجميلة اللتان أصابهما سلمة بن الأكوع - ﵁، ولو سمَّتهما المصادر الحديثية كما فعلت المصادر التاريخية، لَحُسِمَ النّزاع مبكرًا. وإن كان بعض أهل المغازي المتأخرين قد ذكر ورود التسمية في بعض روايات الصحيح١. ولكن رواية مسلم التي بين أيدينا لم تُسَمّ المرأة، وكذلك روايات أهل الحديث الأُخرى. كُلُّ هذه القرائن تقوي الاعتقاد أنَّها سرية واحدة أُرْسِلَت إلى بني فزارة، ولكن هذه المرّة بقيادة أبي بكر الصديق - ﵁، كماذكرت روايات أهل الحديث، ويمكن توهيم روايات أهل المغازي التي ذكرت أنَّ القائد كان زيد ابن حارثة - ﵁، فتوهيم روايات
_________________
(١) ١ انظر ما ذكره الحلبي (سيرة ٣/١٨٢)، والزرقاني (شرح ٢/١٦٤) .
[ ٥٧ ]
أهل المغازي أخف وطأة وأقل تبعية من توهيم روايات أهل الحديث بما فيها رواية الصحيح، لأنَّ روايات أهل المغازي على تخصصها فإنَّها جميعًا قد وردت من طرقٍ لا تخلو من مقال، وليس فيها رواية واحدة يمكن أن ترتقي إلى رواية الصحيح أو غيرها من الروايات الحديثية.
وربما وقع الوهم عند أهل المغازي بسبب ما ورد عندهم من خروج زيد ابن حارثة - ﵁ - في السريتين، وبما أنه كان قائدًا للسرية الأولى، ثُمَّ نذره بعد ذلك بسبب ما وقع له ولأصحابه من بني فزارة بغزوهم مرّةً ثانية، فجعلوه قائدًا للسرية الثانية، ربما يكون قد خرج معهم ولم يكن قائدًا، بل أُنيطت القيادة هذه المرَّة بالصّدّيق أبي بكر - ﵁، لكون زيد - ﵁ - قد أُصِيبَ في المرّة الأولى، فأراد النبيُّ - ﷺ - إراحته وإسناد القيادة لأبي بكر - ﵁، وسمح لزيد بالخروج وفاءً لنذره، فشارك بفعالية بأحداث السرية، فوهم أهل المغازي، وذكروا أنه قائد للسرية، ولكن ما في الصحيح أصح، والله تعالى أعلم.
[ ٥٨ ]