قال الحلبي: "لم أقف على السبب الذي اقتضى البعث إلى ذلك المحل١".
قلت: "لم تُصَرِّح الروايات التي نقلت خبر هذه السرية بالسبب الذي مِن أجله أُرسلت إلى تلك المنطقة التي تقع في عمق المناطق الخاضعة لنفوذ القبائل الحليفة والموالية للروم من قضاعة وغيرها".
ولكن يمكن أن نستشِفَّ السبب من خلال بعض أحداثها: "فمثلًا ما ورد في الروايات حول قوَّة السرية، وأنَّها كانت بقوَّة خمسة عشر رجلًا فقط، يثير لدينا تساؤلًا مفاده: "كيف تكون سرية قتالية مبعوثة إلى تلك المناطق البعيدة عن قاعدة المسلمين، ومناطق نفوذهم بقوة خمسة عشر رجلًا فقط؟!
إلاَّ إذا كانت لغرضٍ آخر غير القتال، إذًا ما هو ذلك الغرض؟ ".
قال في الخبر: "فوَجَدُوا جَمْعًا من جمعهم كثيرًا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم" الخ٢".
فقوله: "فدعوهم إلى الإسلام"، يعطينا دلالة قوية أنَّ السرية كانت عبارة عن بعثة دعوية لأهل تلك المنطقة، وربَّما يقول قائل: "إنَّ مِن سُنَّة القتال في الإسلام أن تكون الدَّعوة قبل القتال". وذلك
_________________
(١) ١ السيرة ٣/١٩٨. ٢ انظر: الواقدي: مغازي ٢/٧٥٣، ابن سعد: طبقات ٢/١٢٧.
[ ٢٢٣ ]
اعتراضٌ وجيهٌ يمكن أن نُسَلِّم به، لولا القرينة التي ذكرناها سابقًا، وهي عدم التسليم بفرضية بعث النَّبِيِّ ﷺ سرية قتالية إلى ذلك العمق من أراضي العدو بهذه القوَّة الضئيلة جدًا، لأنَّ ذلك يعد مغامرة عسكرية غير محسوبة، وهو الأمر الذي لم نعهده من الرسول ﷺ وهو القائد العسكري المُحَنَّك الذي كانت خطواته العسكرية ضد أعدائه على اختلاف نوعياتهم محسوبةً بدقةٍ، ومنَظَّمَةٌ ومُخَطَّطٌ لها تخطيطًا مسبقًا ﷺ".
إذًا كانت البعثة دعوية بحتة، ولكن الأعراب الذين كانت تمتلئ قلوبهم غِلًاّ وحِقْدًا ضد المسلمين، لم يكونوا ليدعوا هذه الفرصة بالبطش والفتك بالمسلمين تفلت من أيديهم، فاستفزُّوهم وألجأوهم للقتال، دفاعًا عن أنفسهم، ليكون في ذلك ذريعةً للفتك بهم وهم قِلَّة، وحَدَثَ ما حَدَثَ، والله تعالى أعلم".
يقول أحمد عادل كمال: "ولم يكن بَعْث كعب وأصحابه للغزو، وإنَّما كان للدعوة، وقُوبِلَ الدُّعاة بالسيف والنبل حتى اسْتُشْهِدُوا١".
_________________
(١) ١ الطريق إلى دمشق ١٤٥.
[ ٢٢٤ ]