بينما كان النَّبِيُّ ﷺ في طريقه إلى خيبر - كما يُفهم من رواية الواقدي٢ - وصلت إليه معلومات مفادها أنَّ هناك تحرُّكات تحشديَّة معادية للمسلمين، يقوم بها رجل من بني سعد بن بكر يُدْعَى: "وبَر بن عُليم، في جمعٍ من قومه بني سعد، بالقرب من فدك، وذلك لمناصرة يهود خيبر ضد المسلمين، وأنَّهم بصدد الاتفاق معهم على إمدادهم بقوَّةٍ منهم مقابل جزء من تمر خيبر يُجْعَل لهم".
وكعادته ﷺ في استرتيجيته المتبعة دائمًا مع أعدائه وبخاصّةً الأعراب، في مباغتتهم وضربهم قبل استكمال تحشُّدهم، وتطوُّر استعداداتهم، سارع ﷺ في تجهيز سرية، عبارة عن دورية قتال تعرُّضية٣ قوَّتها مائة رجل بقيادة علي بن أبي طالب - ﵁ ".
_________________
(١) ١ بما أنَّ الواقدي، وابن سعد، هما مَن أسهبا في الحديث عن أحداث هذه السرية، بينما ذكرها ابن إسحاق بشكلٍ مقتضبٍ وموجزٍ، لذلك فسوف يكون الاعتماد بعد الله ﷿ إن شاء الله تعالى، على روايتيهما في سرد الأحداث على ما فيهما من الضعف، لحاجتنا إليهما، لأنَّهما تكملان الإطار التاريخي للواقعة. والله تعالى أعلم. ٢ انظر ص ١٠٥. ٣ التعرُّض: هو التوجه بصورة عامَّة إلى طلب الخصم بقصد ملاقاته ومقاتلته في ساحات القتال. (العقيد محمَّد صفاء: الحرب ٢١) .
[ ١٢٣ ]
[٢] "فسار الليل، وكمن النَّهار، حتَّى انتهى إلى الهمج"١، فأصاب عينًا، فقال: "ما أنتَ؟ هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟ قال: "لا علم لي به، فشدُّوا عليه فأقرَّ أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر، يعرض على يهود خيبر نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم، ويقدمون عليهم، فقالوا له: "فأين القوم؟ قال: "تركتهم وقد تجمَّع منهم مائتا رجل، ورأسهم وبَر ابن عُلَيْم". قالوا: "فسر بنا حتى تدُلَّنا". قال: "على أن تُؤَمِّنوني". قالوا: "إن دللتنا عليهم وعلى سرحهم أمَّنَّاك، وإلاَّ فلا أمَانَ لك". قال: "فذاك، فخرج بهم دليلًا لهم"٢". بعد أن كان عينًا عليهم، فسار بهم في فدافد٣، وآكام٤، حتى ساء ظنهم به، واعتقدوا أنه ربَّما كان يخدعهم، حتى أفضى بهم إلى سهلٍ من الأرض".
[٣] "فإذا نعَم كثير، وشاء٥، فقال: "هذه نَعمهم وشاؤهم، فأغاروا عليه فضموا النعم والشاء، قال: "أرسلوني". قالوا: "حتى نأمن
_________________
(١) ١ الهَمَج - بالتحريك، والجيم -: ماء وعيون عليه نخل. (الحموي: معجم ٥/٤١٠، السمهودي: وفاء ٤/١٣٢٧) . ٢ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٢) . ٣ الفدفد: الفلاة، والمكان الصّلب الغليظ والمرتفع. (قاموس: الفدفد) . ٤ الأكمة - محرَّكة: التل من القف من حجارة واحدة، أو هي دون الجبال، أو الموضع يكون أشدّ ارتفاعًا مِمَّا حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا. (القاموس: الأكمة) . ٥ الشاء: جمع شاة.
[ ١٢٤ ]
الطلب، ونذر بهم الراعي رعاء الغنم والشاء، فهربوا إلى جمعهم فحذَّروهم فتفرَّقوا"١".
[٤] "وهربت بنو سعد بالظَّعن، ورأسهم وَبَر بن عُلَيْم"٢".
فقال الدليل للقائد علي بن أبي طالب - ﵁: "علامَ تحبسني؟ قد تفرَّقت الأعراب وأنذرهم الرعاء، قال علي - ﵁: "ليس بعد، فإنَّا لم نبلغ معسكرهم".
[٥] "فانتهى بهم إليه فلم ير أحدًا، فأرسلوه وساقوا النعم والشاء، النعم خمسمائة بعير، وألفا شاة"٣".
[٦] "فعزل علي صفيّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم٤ لقوحًا٥ تُدْعَى الحفذة، ثُمَّ عزل الخُمُس، وقسَّم سائر الغنم على أصحابه"٦، ثُمَّ مكث ثلاثًا أوقَعَ أثناءَها الرُّعْبَ في قلوب الأعراب".
يُحَدِّثنا أحد شهود العيان، كما يروي الواقدي، فيقول:
[٧] "إني لبوادي الهَمَج، إلى يديع٧، ما شعرت إلاَّ ببني سعد يحملون
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٢) . ٢ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/٩٠)، عن شيوخه. ٣ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٢) . ٤ الصَّفِيُّ: ما كان خالصًا للنبيّ ﷺ. ٥ اللقوح: الناقة الحلوب. (القاموس: لقوح) . ٦ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/٩٠)، عن شيوخه. ٧ يديع: أرض من فدك، وهي مال للمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، ويذكر البلاذري أنّها تُسَمَّى اليوم: (الحويط) . (البكري: معجم ٤/١٤٤، البلاذري: رحلات ١٩) .
[ ١٢٥ ]
الظُّعُن وهم هاربون، فقلت: "ما دهاهم اليوم؟ فدنوت إليهم فلقيت رأسهم وبَر بن عُلَيم، فقلت: "ما هذا المسير؟ قال: "الشرُّ، سارت إلينا جموع محمَّد، وما لا طاقة لنا به، قبل أن نأخُذَ للحرب أُهبتها، وقد أخذوا رسولًا لنا بعثناه إلى خيبر، فأخبرهم خبرنا، وهو صنَعَ بنا ما صَنَع". قلت: "ومَن هو؟ قال: "ابن أخي، وما كُنَّا نعُدّ في العرب فتىً واحدًا أجمع قلب منه".
فقلت: "إني أرى أمر محمَّد قد أمن وغلظ، أوْقَعَ بقريش فصنع بهم ما صنع ثُم أوقع بأهل الحصون بيثرب، قينُقَاع، وبني النَّضِير، وقريظة، وهو سائرٌ إلى هؤلاء بخيبر". فقال لي وبَر: "لا تخش ذلك". إنَّ بها رجالًا، وحُصُونًا منيعة، وماءً واتنًا١ لا دنا منهم محمَّدٌ أبدًا، وما أحراهم أن يغزوه في عُقْرِ داره". فقلت: "وترى ذلك؟ قال: "هو الرأي لهم"٢".
وهكذا نجح عليّ - ﵁ - في مهمَّته نجاحًا باهرًا".
[٨] "وقدم المدينة ولم يلق كيدًا"٣".
_________________
(١) ١ وتن الماء: أي: دام ولم ينقطع. (الصحاح ٢٢١٢) . ٢ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٣) . ٣ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/٩٠) .
[ ١٢٦ ]