تفرَّد الواقدي، وعنه ابن سعد، في ذكر تاريخ هذه السرية، وأنَّها كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وتابعهما في ذ لك كل من الطبري، والبلاذري، والبيهقي، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن كثير، والقسطلاني، والشامي، والمقريزي، والذهبي٢.
ولم يذكر لها ابن إسحاق تاريخًا، وإنَّما ذكرها في جملة السرايا والبعوث، بعد سرية ابن أبي حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجُشمي، وقبل سرية أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنه - إلى سيف البحر٣.
وذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت سنة ست من الهجرة، دون أن يحدِّد الشهر٤.
ولا يمكن القطع بصحة التاريخ الذي ذكره الواقدي وتلميذه ابن سعد، لأنَّ غالب ما يذكران من تواريخ للسرايا والبعوث تخالف كثيرًا من الأحداث والوقائع في السيرة.
_________________
(١) ١ الواقدي: مغازي ٢/٥٦٠، وابن سعد: طبقات ٢/٨٩. ٢ تاريخ ٢/٦١٢، أنساب الأشراف ٣٧٨، الدلائل ٤/٨٥، عيون الأثر ٢/١٤٣، زاد المعاد ٣/٢٨٤، البداية والنهاية ٤/١٨١، سبُل الهدى ٦/١٤٩، إمتاع الأسماع ١/٢٦٧، تاريخ الإسلام، قسم المغازي ٣٥٥. ٣ ابن هشام: سيرة ٤/٦٣١. ٤ تاريخ ٧٩.
[ ١٨٣ ]
ولو نظرنا إلى بعض أحداث هذه السرية التي وردت عنهما لاستنتجنا تأخرها عن التاريخ الذي جعلاه لها.
فمثلًا ذكرا أنَّ عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - قائد هذه السرية تزوَّج ابنة ملك الدومة في ذلك الوقت الأصبغ بن عمرو الكلبي بناءً على مشورة النَّبِيِّ ﷺ، وذكرا أنَّها هي أُم (أبي سلمة بن عبد الرحمن) الفقيه المشهور.
وبالنَّظر في ترجمة أبي سلمة وجدت أنَّ ميلاده كان سنة بضعٍ وعشرين، وأنه توفي سنة أربعٍ وتسعين على الراجح، وله اثنتان وسبعون سنة١، وبإجراء عملية حسابية بسيطة تبيَّن أنه وُلِدَ سنة اثنين وعشرين تقريبًا".
فإذا أخذنا بروايتي الواقدي، وابن سعد، حول تاريخ السرية وأنَّها كانت سنة ست، يكون أبو سلمة لم يولد إلاَّ بعد ستَّة عشر عامًا من زواج أبويه، وإذا علمنا أنه كان وحيد أبويه - حيث لم تنجب أُمه من عبد الرحمن سواه - كما ذكر الواقدي٢ - ترجَّح ما ذكرته سابقًا.
_________________
(١) ١ انظر: ابن سعد: طبقات ٥/١٥٥، الذهبي: سير ٤/٢٨٧ - ٢٨٩، ابن حجر: تهذيب ٦/٣٧٠. ٢ نقل ذلك عنه الزرقاني (شرح ٢/١٦٢) .
[ ١٨٤ ]
أيضًا ذكر الذهبي عن ابن سعد، وابن حجر في ترجمة أبي سلمة أنَّ أُمه تماضر بنت الأصبغ أدركت حياة النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ أباه توفي وهو صغير، فلم يستطع أن يروي عنه، فكل ذلك يعطينا إشارات ولو غير مباشرة على تأخُّر هذه السرية.
والله تعالى أعلم".
[ ١٨٥ ]