روى ابن هشام خبر السرية على أنه من زياداته على سيرة ابن
إسحاق فقال: "ومِمَّا لم يذكره ابن إسحاق من بعوث رسول الله ﷺ وسراياه، سرية زيد بن حارثة إلى مدين". ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن١، عن أُمِّه فاطمة٢ بنت الحسين بن علي - عليهم رضوان الله: "
[٣] "أنَّ رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة نحو مَدْيَن" الحديث٣.
قلت: "ولعلَّ ابن هشام - رحمه الله تعالى، وهم في عدم نسبة الحديث إلى ابن إسحاق، أو لعلَّ الحديث سقط من رواية البكائي، وهي الرواية التي هذَّبها ابن هشام من سيرة ابن إسحاق، ولم يطَّلِع ابن هشام على روايات الحديث الأُخرى، فالحديث أخرجه سعيد بن منصور من طريق "أبي شهاب"٤ عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن الحسن، عن أُمِّه فاطمة بنت حسين، قالت:
_________________
(١) ١ عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني، أبو محمَّد (ثقةٌ جليل القدر) من الخامسة، مات أوائل سنة خمسٍ وأربعين. (تقريب ٣٠٠) . ٢ فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية، زوج الحسن بن الحسن بن علي (ثقةٌ) من الرابعة، ماتت بعد المائة وقد أسنَّت. (تقريب ٧٥١) . ٣ من رواية ابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [٢] . ٤ عبد ربه بن نافع الكناني، الحنَّاط - بمهملة ونون - نزيل المدائن، أبو شهاب الأصغر (صدوق يهم) من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين. (تقريب ٣٣٥) .
[ ١٠٢ ]
[٤] "بعَثَ رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى مدينة مقنا"..١". الحديث.
وأخرجه ابن سعد كذلك من طريق "أبي شهاب" به نحوه٢".
وعزاه لابن إسحاق كُلٌّ من: "ابن سيد النَّاس٣، والشامي٤، وتابعهما في ذلك الحلبي٥".
أمَّا سياق الخبر ففيه اختلاف جوهري بين رواية سعيد، وابن سعد، ورواية ابن هشام، ففي رواية ابن هشام، ذكر أنَّ ضميرة وأخاه كانا من جنود السرية، بينما وقع في روايتي سعيد، وابن سعد أنَّ زيدَ بن حارثة - ﵁، أصاب ضميرة فيمن أصاب من السَّبْي، ووقع مثل ذلك في روايات أُخَر، منها ما هو متابع، ومنها ما هو شاهد لروايتي سعيد، وابن سعد، وهي بالتأكيد أقوى سندًا من رواية ابن هشام".
فقد أخرج عبد الرَّزَّاق في المصنَّف، من طريق الثوري٦، عن عبد الله بن حسن عن أُمِّه فاطمة بنت حسين:
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٢ من رواية ابن إسحاق عند سعيد بن منصور، وعند ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٣ عيون الأثر ٢/١٤٣. ٤ سبل الهدى ٦/١٥٣. ٥ السيرة ٣/١٨٥. ٦ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي (ثقةٌ، حافظٌ، فقيهٌ، عابدٌ إمامٌ، حُجَّة) من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلَّس. مات سنة إحدى وستين. (تقريب ٢٤٤) .
[ ١٠٣ ]
[٥] "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعث زيد بن حارثة في سرية فأصاب سبيًا فجاء بهم" ثُمَّ ذكر الحديث". إلاَّ أنَّه قال فيه: ""فاحتاج إلى ظهر١ فباع غلامًا منهم، فجاءت أُمّه فرآها النَّبِيُّ ﷺ تبكي، فسأله". فقال: "احتجت إلى بعض ظهر فبعت ابنها". فقال له النَّبِيُّ ﷺ: "ارجع فردَّه أو اشتره". فقال: "فوهبه بعد ذلك لعلي". قال: "فكان خازنًا له". قال: "وولد له"٢".
أمَّا الشاهد، كما ذكر ابن حجر٣، فقد أخرجه البخاري في تاريخه من طريق ابن أبي ذئب٤، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة٥، عن أبيه٦، عن جده ضميرة:
_________________
(١) ١ الظهر: المراد به الراحلة، يُكَنَّى به عنها لأنه هو المقصود بالاستعمال منها. ٢ أخرجه عبد الرَّزَّاق (المصنف٨/٣٠٧) وسنده منقطع. لأن فاطمةلم تسمع من النّبيّ ﷺ. ٣ إصابة ٢/٢١٤. ٤ محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني (ثقةٌ، فقيهٌ، فاضلٌ) من السابعة، مات سنة ثمانٍ وخمسين، وقيل: سنة تسع. (تقريب ٤٩٣) . ٥ الحسين بن عبد الله بن أبي ضميرة، سعيد الحميري المدني، روى عن أبيه، وعنه زيد ابن الحباب وغيره (متروك الحديث) كذَّبه مالك وغيره، وقال عنه البخاري: (منكر الحديث ضعيف) . انظر: (البخاري: الضعفاء الصغير ٦٩، التاريخ الكبير ٢/٣٨٨، الذهبي: ميزان ١/٥٣٨، ابن حجر: لسان ٢/٢٨٩) . ٦ لم أعثر على ترجمته.
[ ١٠٤ ]
[٦] "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مرَّ بأُمِّ ضميرة وهي تبكي". فقال: "ما يُبْكِيكِ؟ قالت: "يا رسول الله! فُرِّق بيني وبين ابني، فأرسل إلى الذي عنده ضميرة فابتاعه منه ببكر"١٢".
_________________
(١) ١ البكَر: بالفتح، ولد الناقة، والفتى منها. (القاموس: بكر) . ٢ أخرجه البخاري (التاريخ ٢/٣٨٨ - ٣٨٩)،وعزاه إليه ابن حجر (إصابة ٢/٢١٤) وقال: "رويناه بعلو في الأول من حديث المخلّص، قال ابن صاعد: غريب تفرَّد به ابن وهب عن ابن أبي ذئب. قلت: ذكر ابن منده أنَّ زيد بن الحباب تابع ابن أبي ذئب فرواه عن حسين أيضًا، وأخرجه ابن منده من طريق ورَّاد". قلت: والحديث مداره على الحسين بن عبد الله بن ضميرة، وهو متروك الحديث، كما مرَّ، ولكنَّ الحديث جاء من طُرُق، فقد أخرج أبو داود (كتاب الجهاد، باب في التفريق بين السبي، حديث رقم ٢٦٧٩) من حديث ميمون بن أبي شبيب، عن علي ﵁ "أنه فرَّق بين جارية وولدها، فنهاه النَّبِيُّ ﷺ عن ذلك، وردَّ البيع". وأخرجه الحاكم (مستدرك ٢/١٣٦) بسنده عن ميمون به مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص. قلت: ولكنَّ أبا داود قد أعلَّ الحديث بالانقطاع، بأنَّ ميمون لم يدرك عليًّا (انظر: عون المعبود ٧/٣٦٣) . كما أخرج الحاكم من حديث شعبة عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي - ﵁ - قال: "أمرني رسول الله - ﷺ - أن أبيع أخوين من السبي فبعتهما، ثُمَّ أتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته ببيعهما، فقال: فرَّقت بينهما؟ قلت: نعم. قال: فارتجعهما، ثُمَّ بِعْهُما ولا تفرِّق بينهما". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه. ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/١٣٦) . وهذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الترمذي (أبواب البيوع، باب ما جاء في كراهية أن يفرق بين الأخوين، أو بين الوالدة وولدها في البيع، حديث رقم ١٣٠٢) من حديث ميمون، عن علي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وذكر الشوكاني (نيل الأوطار ٥/١٦٢) الحديثين عن علي رضي الله تعالى عنه ثُمَّ قال: وحديث علي الأول رجال إسناده ثقات كما قال الحافظ، وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، وابن القطَّان. وحديثه الثاني هو من رواية ميمون بن أبي شبيب عنه، وقد أعلَّه أبو داود بالانقطاع بينهما. وأخرجه الحاكم وصحَّح إسناده، ورجَّحه البيهقي لشواهده.
[ ١٠٥ ]
وأخرجه ابن عبد البر من طريق ابن وهب١به نحوه٢".
فكُلُّ هذه الروايات الأقوى سندًا من رواية ابن هشام، ذكرت أنَّ ضميرة كان من سبي تلك السرية، ولم يكن من جنودها". فلعلَّ ابن هشام - رحمه الله تعالى - وهم في ذلك أيضًا". والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمَّد المصري، الفقيه (ثقةٌ، حافظٌ عابدُ) من التاسعة، مات سنة سبعٍ وتسعين وله اثنتان وسبعون. (التقريب ٣٢٨) . ٢ الاستيعاب، هامش الإصابة٢/٢١٤،وقال فيه:"ما يُبْكِيكِ، أجائعةٌ أنتِ أم عارية؟ ".
[ ١٠٦ ]