مشروعية اتخاذ الأدلاَّء من غير المسلمين وإغرائهم بالمال لمساعدة المسلمين، وفي قصة الهجرة، وقصة هذه السرية، وفتح خيبر دليلٌ على ذلك.
مشروعية اتخاذ العيون للتجسس على الأعداء، وتزويد المسلمين بأخبارهم وتحركاتهم ضد المسلمين، وقصة هذه السرية، وفتح مكَّة، وغير ذلك من قصص السرايا والغزوات والأخبار التي تصل تباعًا إلى النَّبِيّ ﷺ عن تحرُّكات الأعداء وحشودهم دليلٌ على ذلك.
إنَّ استخدام المسير الليلي كمسير اقترابي١ إلى أرض العدو، واتخاذ الدليل طليعةً في أرض العدو، يُعَدُّ من الأُسس العملية المهمَّة للمباغتة، وهي أساليب تُعَدُّ من مبتكرات الرسول القائد ﷺ.
استمرار نجاح سياسة النَّبِيّ ﷺ العسكرية الهجومية في حربه مع أعدائه من الأعراب بضرب حشودهم في قواعدها، والإغارة عليهم قبل استكمال استعداداتهم، مِمَّا كان له أبلغ الأثر في تلك النتائج المدهشة من إدخال الرعب في قلوبهم، والقضاء على مخططاتهم العدوانية - التي كانت موجَّهة ضد المسلمين - في مهدها، وبسط نفوذ المسلمين على أراضيهم، وبالتالي التمهيد للانطلاق فيما وراء ذلك لتحقيق أهداف المسلمين واستراتيجياتهم بعيدة المدى من نشر
_________________
(١) ١ المسير الاقترابي هو الحركة من القاعدة إلى الهدف. (خطَّاب: الرسول القائد ١١٦) .
[ ٢١٤ ]
الإسلام خارج نطاق الجزيرة العربية فيما وراء مناطق نفوذ الأعراب.
وضح من خلال هذه السرية، والسرايا قبلها، ذلك الترتيب الذكي الذي كان يتبعه القائد الملهم، الخبير بخبايا الحرب وأمورها الرسول ﷺ وذلك من خلال اختياره الرجل المناسب للمهمَّة المناسبة في المنطقة المناسبة، ذلك الاختيار كان يتم وفق معايير خاصّة تتعلَّق بقدرات الرجل المختار، وخبرته في المنطقة المبعوث إليها، ومعرفته التامة بها وبأهلها". فكما رأينا في هذه السرية وما قبلها من السرايا في منطقة خيبر وما حولها، كان المبعوث على رأسها في غالب الأحيان هو بشير بن سعد الأنصاري، - رضي الله تعالى عنه، - فالتركيز على بشير دون غيره من الصحابة". وغالب بن عبد الله الليثي - رضي الله تعالى عنه، وغيرهما من القادة لم يكن من فراغ، وإنَّما كان بناءً على ما كان يتمتع به أولئك من قدرات أهليتهم لذلك مِمَّا ذكرنا، والله تعالى أعلم.
إنَّ في استشارة النَّبِيِّ ﷺ لصاحبيه أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنه، وعمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه، لها أكثر من دلالة!. فمن كون ذلك يدل على فضلهما ومكانتهما ومنْزلتهما الرفيعة عند النَّبِيِّ ﷺ، حتَّى إنَّهما كانا بمثابة وزيرين له، وكانا من ألصق النَّاس به في كُلِّ أموره، في سفره وإقامته، في سلمه وحربه، وكان دائم الاستشارة لهما، المصاحب لهما في كُلِّ الأوقات، وكان
[ ٢١٥ ]
دائم الحديث عنهما، كما يقول علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه: "وحسبت أني كثيرًا أسمع النَّبِيّ ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر"١ ". وقد عرف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ذلك لهما، فكان أن قدَّموهما على غيرهما في الخلافة.
أيضًا يدل ذلك على مكانة الشورى في الإسلام، باعتبار أنَّ المُشَرِّع ﷺ كان يُطَبِّقها في كل زمان ومكان، وذلك تنفيذٌ لأمر الباري - ﷿ - له ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ١٥٩] . وتعليمٌ لأمَّته من بعده بتطبيق هذا المبدأ الهام والحيوي في حياتهم بمختلف شؤونها، وما أصاب المسلمين من الضياع وتسلُّط الأعداء إلاَّ عندما تركوا هذا المبدأ، واستبدَّ قادتهم بالرأي دونهم، فكان ذلك وبالًا على الأُمةِ بأسرها.
كذلك يدل على ما كان يتمتَّع به الشيخان الجليلان - رضي الله تعالى عنهما، من الحنكة والمعرفة بأمور الحرب والسياسة، حيث نصحا النَّبِيَّ ﷺ بالإسراع بإرسال سرية إلى تلك المنطقة، يقودها رجلٌ مُحَنَّكٌ ذو خبرة ومعرفة بأحوالها وأهلها.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (الصحيح: ٤/١٩٩) .
[ ٢١٦ ]