لقد كشفت هذه السرية عمَّا تخبئه الوثنية مِن غِلٍّ وحقدٍ دفينٍ على الإسلام وأهله، غِلّ عصف بكُلِّ المبادئ، وحقد ألغى القِيَم الإنسانية.
فهؤلاء قوم هداة جاءوا لنشر الخير والسلام بين مَن قتلوهم، فكان جزاؤهم الغدر بهم، وقتلهم جميعًا بلا هوادة ولا رحمة.
وقد يقول القائل: "إذا كان الأمر كذلك، فلِمَ لمَ يتوقَّف النَّبِيُّ ﷺ عن دعوة الأعراب إلى الإسلام، طالما أنَّهم لا يحترمون القيم والمبادئ، ولا يمكن الوثوق بهم؟ ".
قلنا: "الدعوة إلى الله لا يمكن أن تقف في أرضٍ ما، أو تتعثر بسبب
ما يعترض طريقها من بعض الحوادث التي تعيق تقدمها".
وهناك حقيقة يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا، وهي أنَّ طريق الدعوة
إلى الله تعالى منذ بدأت حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، لم يكن في يومٍ من الأيام مفروشًا بالورود، فكان لابدَّ من تقديم التضحيات في طريقها الطويل الشاق".
وقد وضَّح النَّبِيُّ ﷺ هذه الحقيقة للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - حاثًّا إياهم على الصبر والتحمُّل، وتقديم التضحيات، وذلك منذ فترة مبكرة جدًا، وبالتحديد في مكة حينما أثقلت قريش من وطئتها على المسلمين المستضعفين في مكة، فجاءوا يستنجدون بالنَّبِيِّ ﷺ".
[ ٢٢٧ ]
يقول خبَّاب بن الأرت - رضي الله تعالى عنه: "أتيت النَّبِيَّ ﷺ وهو متوسِّد بردَةً وهو في ظِلّ الكعبة - وقد لقينا من المشركين شِدَّة - فقلت:
يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ فقعد وهو محمَّرٌ وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاطِ الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق اثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمَّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلاَّ الله"١.
وقد عرف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فيما بعد هذا الأمر، وفقهوه جيدًا، لذلك نجدهم كانوا يتسابقون للانخراط في البعثات الدعوية كما في الرجيع، وبئر معونة، وغيرها من البعثات والسرايا النبوية التي كانت أهدافها جميعًا نشر الدعوة إلى الله - ﷿، وذلك دون خوف أو وجل من العواقب التي كانوا يتوقعونها، بل كانوا يتحرَّقون لملاقاتها باندفاعٍ أدهش الأعداء قبل الأصدقاء، مِمَّا كان له أكبر الأثر في نجاح مسيرة الدَّعوة وانتشارها بسرعةٍ مذهلة فاقت كُلّ التوقعات، وصدق الله القائل في مُحْكَمِ كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ . [سورة الصّف، الآية: ٩] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (انظر: فتح الباري ٧/١٦٥) .
[ ٢٢٨ ]
وهكذا فقد بيَّنت هذه السرية مقدار ضخامة التضحيات الجِسَام التي كان يُقَدِّمها سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم، في سبيل نشر الدعوة إلى الله - ﷿، تلك التضحيات العظيمة تكرَّرت في أكثر من مناسبة، وعلى أكثر من موقع، فبالأمس فقدت الدَّعوة فرسانًا لها أبرارًا في الرجيع، وبئر معونة، واليوم في ذات أطلاح، وغدًا في مكانٍ آخر".. وهكذا دواليك دون أن تتوقَّف الدَّعوة، إذ لابدَّ من تبليغ الدَّعوة إلى الله - ﷿ - مهما كانت التضحيات".
والله تعالى أعلم".
[ ٢٢٩ ]
قال: بلى، ولكني استكثرته. قلت: لتردَّنه عليه، أو لأُعَرِّفَنَّكها عند رسول الله ﷺ، فأبى أن يردَّ عليه"١.
وهكذا استطاع خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، بتوفيقٍ من الله، ثُمَّ بحنكته وتدبيره، أن يحتفظ بتوازن المعركة حتى الليل.
[٧١] "ثُمَّ أصبح غازيًا، قد جعل مقدّمته ساقه، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فأنكروا ما جاء به من خلاف ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا: قد جاءهم مدد"٢.
فرعبوا، ولسان حالهم يقول: "إذا كان المسلمون على قلَّتهم، قد فعلوا ما فعلوا بالأمس، فكيف وهم اليوم قد جاءهم المدد، وازداد العدد؟!.
لقد أحجم الروم عن الهجوم، وكذلك لم يهاجمهم خالد، فقد كان يريد أن يخرج من المعركة غير المتكافئة بجيشه سليمًا، ويُرْعِب العدوَّ حتى لا يلاحقه في تراجعه، فلمَّا اطمأنَّ إلى نجاح خطته تراجع بقوَّاتِه، وبَعُدَ بها حتَّى صارت في مأمنٍ"٣.
وهكذا:
[٧٢] "انحاز الفريقان كُلٌّ عن كُلٍّ قافلًا عن غير هزيمة، فقفل المسلمون على طريقهم التي أبدوا منها، حتَّى مرُّوا بتلك القرية،
_________________
(١) ١ من رواية عوف بن مالك الأشجعي، وقد سبق تخريجها برقم [٦٠] . ٢ أخرجه ابن عساكر: تاريخ (المجلد الأول ص ٣٩٧) من رواية ابن عائذ بسندٍ صحيحٍ إلى العطَّاف بن خالد، لكنَّه منقطع. ٣ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٧.
[ ٢٢٩ ]
والحصن الذي كانوا شدوا على ساقهم، وقتلوا رجلًا منهم، فحاصروهم في حصنهم حتى فتحه الله عليهم عنوة، فقتل خالد مقاتلتهم في نقيعٍ١ إلى جانب حصنهم صبرًا فيها، فَسُمِّى ذلك النقيع، نقيع الدم إلى اليوم، وهدموا حصنًا هدمًا لم يعمر بعده إلىاليوم"٢. ثُمَّ رجع خالد رضي الله تعالى عنه بالمسلمين سالمين إلى المدينة.
وبذلك استطاع سيف الله بث الرُّعب في قلوب حلفاء الروم، وأعوانهم من العرب المتنصِّرة، الذين يمرّ المسلمون في طريق عودتهم عبر أراضيهم، فلم تذكر الروايات أنَّهم تعرَّضوا للمسلمين بأي أذى كما فعلوا بالأمس.
_________________
(١) ١ النَّقيع: البئر الكثيرة الماء. (القاموس: نقيع) . ٢ من رواية محمَّد بن عائذ، عن رجلٍ من بني سلامان. وقد سبق تخريجها برقم [٤] .
[ ٢٣٠ ]