في شهر رجب من السنة السادسة من الهجرة النبوية المباركة،
كما يذكر ابن سعد١، وصلت إلى النَّبِيِّ ﷺ معلومات هامَّة عن تحركات مُعَادية تقوم بها امرأة من بني فزارة، ذات شأن فيهم، ومنْزلة ورئاسة يُقال لها أُمّ قرفة٢، يذكر الزهري عن عروة أنَّها:
[٤] "قد جهَّزت ثلاثين راكبًا من ولدها وولد ولدها، قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمَّدًا! فقال النَّبِيُّ ﷺ: اللهم اثكلها بولدها. وبعث إليهم زيد بن حارثة" ٣ - ﵁ - على رأس سرية، لم تذكر الروايات قوتها، ولكنها كانت على ما يبدو قليلة العدد.
[٥] "فالتقوا بالوادي٤،وقُتِلَ أصحاب زيد"٥ - ﵃ - منهم:
_________________
(١) ١ الطبقات ٢/٨٩. ٢ بكسر القاف، وسكون الراء وبالفاء، فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية، التي جرى فيها المثل: "أمنع من أُمّ قِرْفة" لأنه كان يُعَلَّق في بيتها خمسون سيفًا لخمسين فارسًا كلهم لها ذو محرم، كُنّيت بابنها قِرْفة، قتله النَّبِيُّ - ﵌ - فيما ذكر الواقدي، وذكر أنَّ سائر بنيها وهم تسعة قُتِلُوا مع طليحة يوم بزاخة. الروض الأنف ٧/٥٢٨، شرح المواهب ٢/١٦٣، مجمع الأمثال ٢/٣٩٢. ٣ سبق تخريجه برقم [١] . ٤ يعني وادي القرى. ٥ من رواية عروة عند أبي نعيم. وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٦٢ ]
[٦] "ورد بن مرداس١، وارتُثَّ٢ زيد بن حارثة من بين وسط القتلى"٣.
[٧] "فلمَّا قدم زيد بن حارثة، نذر ألاَّ يمس رأسه غُسل من جنابة حتى يغزو فزارة، فلمَّا استبلَّ من جراحه بعثه رسول الله ﷺ في جيشٍ إلى بني فزارة"٤ فيهم سلمة بن الأكوع - ﵁، ويقودهم أبو بكر الصّدّيق - ﵁ -، فكمنوا النهار وساروا الليل، ومعهم دليل لهم كما يذكر الواقدي٥.
قال سلمة - ﵁:
[٨] "فلمَّا دنونا من الماء٦أمرنا أبو بكر، فعرَّسنا٧، قال: فلمَّا صلَّينا الصُّبْح، أمرنا أبو بكر فشننا الغارة٨، فقتلنا على الماء
_________________
(١) ١ ورد بن مرداس: أحد بني سعد بن هذيم، كتب له النبي ﷺ في عسيب فعدا على العسيب فكسره، ثُمَّ إنَّه أسلم بعد ذلك، وغزا مع زيد بن حارثة -﵁- وادي القرى فاستشهد. طبقات ابن سعد١/٢٨٤، الإصابة٢/٨١. ٢ ارتُثَّ: بالبناء للمجهول، أي حمل من المعركة رثيثًا أي جريحًا وبه رمق. ٣ ذكره ابن سيد الناس (عيون ٢/١٤٢) من حديث ابن عائذ بسنده عن عروة، وهو مرسل. ٤ سبق تخريجه برقم [١] . ٥ مغازي: ٢/٥٦٤. ٦ الحاضر الذي كانت تقيم عليه بنو بدر من فزارة، ربما كان في وادي القرى. ٧ التعريس: النزول آخر الليل للراحة. ٨ شن الغارة: أي فرَّقها عليهم من كُلِّ جانب.
[ ٦٣ ]
مَن قتلنا"١.
[٩] "فكان شعارنا: أمت. أمت. قال: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين"٢.
[١٠] "وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلمَّا رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم٣ معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتَّى أتيت بهم أبا بكر"٤.
ويجزم أهل المغازي أنَّ تلك المرأة هي أُم قرفة٥، وأنَّها قُتِلَت، وقُتِلَ بعض ولدها٦، وذكرت بعض الروايات أنَّها قُتِلَت قتلًا
_________________
(١) ١ من رواية سلمة عند أحمد. وقد سبق تخريجها برقم [٣] . ٢ أخرجه أبو داود. (انظر: عون المعبود، حديث رقم: ٢٦٢١)، وابن سعد، (الطبقات ٢/١١٨)، واللفظ له، والنسائي (السنن الكبرى ٥/٢٧١)، وابن ماجه (السنن، حديث رقم: ٢٨٤)، وأحمد (المسند، حديث رقم: ١٦٥١٦)، كلّهم من حديث عكرمة بن عمار، نحوه. ٣ القشع: بقاف ثُمَّ شين معجمة ساكنة: النطع، وهو الفَرْو الخَلِق. ٤ من رواية سلمة عند مسلم، وقد سبق تخريجها برقم [٣] . ٥ انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٦١٧،الواقدي: مغازي٢/٥٦٥،ابن سعد: طبقات ٢/٩١، أبو نعيم: دلائل ٢/٥٣٥، الحلبي: سيرة ٣/١٨٠، الزرقاني: شرح٢/١٦٤. ٦ انظر: رواية الزهري عن عروة عند أبي نعيم: دلائل ٢/٥٣٥، والسهيلي: الروض ٧/٥٢٨.
[ ٦٤ ]
عنيفًا١.
[١١] "وأنه بُعِثَ برأسها إلى رسول الله ﷺ، فأمر به فديرَ به في المدينة ليُعلم قتلها"٢.
وهذه الروايات إسنادها ضعيف، وتعارضها الأحاديث الصحيحة التي تأمر بإحسان القتل، وتنهى عن المُثْلَة، كما أنه لم يثبت أنه حُمِلَ رأس أحد من الرجال أو من النساء إلى رسول الله ﷺ.
قال سلمة بن الأكوع - ﵁:
[١٢] "فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا٣، فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة. فقلت: يا رسول الله! والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا. ثُمَّ لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة، لله أبوك٤، فقلت: هي لك يا رسول الله، فو الله ما
_________________
(١) ١ المصادر السابقة، وذكر السهيلي، وابن سيد الناس نقلًا عن الدولابي أنَّها قتلت كذلك لسَبِّها رسول الله - ﷺ. ٢ ذكر ذلك المقريزي (إمتاع ١/٢٧٠)، وهي زيادة منكرة تفرَّد بها، ولا أدري مِن أين جاء بها. ٣ كناية عن الجماع. ٤ كلمة مدح وثناء، مثل قولهم: لله درك، فإنَّ الإضافة إلى العظيم تشريف، فإذا وُجِدَ من الولد ما يحمد فعله قيل له: لله أبوك، أي أبوك لله خالصًا حيث أتى بمثلك. وقد تكون الكلمة في حكم القسم أيضًا.
[ ٦٥ ]
كشفت لها ثوبًا، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسرى بمكة"١.
ويذكر عروة أنَّ زيد بن حارثة ﵁ لمَّا قدم المدينة مع أهل السرية أقبل إلى رسول الله ﷺ [١٣] "قالت عائشة - ﵂، ورسول الله ﷺ تلك الليلة في بيتي، فقرع الباب، فخرج إليه يجر ثوبه حتى اعتنقه، وقبَّله رسول الله ﷺ" ٢.
_________________
(١) ١ من رواية سلمة عند مسلم، وقد سبق تخريجها برقم [٣] . ٢ من رواية عروة عند أبي نعيم، وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٦٦ ]