أولًا: "الأحكام المستنبطة:
قال الخطابي: "فيه من الفقه أنَّ الكافر إذا تكلَّم بالشهادة وإن لم يصف الإيمان وَجَبَ الكَفُّ عنه والوقوف عن قتله سواء أكان بعد القدرة أم قبلها١".
وقال ابن التين تعليقًا على قول النَّبِيِّ ﷺ لأُسامة: ""أقتلته بعدما قال؟ "". في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحَد على قتلِ مَنْ تلفَّظ بالتوحيد٢".
وقال القرطبي: "تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك٣".
وقال النووي: "وقوله ﷺ: "أفلا شققت عن قلبه"، فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأُصول أنَّ الأحكام يعمل فيها بالظواهر، والله يتولَّى السرائر٤".
وقال ابن حجر: "وفيه دليل على ترتُّب الأحكام على الأسباب الظاهرة دون الباطنة٥".
_________________
(١) ١ الخطابي: حاشية سنن أبي داود ٣/١٠٢. ٢ انظر: ابن حجر: فتح ١٢/١٩٥. ٣ المصدر السابق ١٢/١٩٦. ٤ النووي على مسلم ٢/١٠٧. ٥ فتح الباري ١٢/١٩٦.
[ ١٦٧ ]
وقال الخطابي: "وفيه أنه لم يلزمه - مع إنكاره عليه - الدية، ويشبه أن يكون المعنى فيه، أنَّ أصل دماء الكُفَّار الإباحة، وكان عند أُسامة أنه إنَّما تكلَّم بكلمة التوحيد مستعيذًا لا مُصَدِّقًا به، فقتله على أنه كافرٌ مبَاح الدَّم، فلم تلزمه الدية، إذ كان في الأصل مأمورًا بقتاله، والخطأ عن المجتهد موضوع، ويحتمل أن يكون قد تأوَّل قول الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُم إِيمَانهُم لَمَّا رَأَواْ بَأْسَنَا﴾ . [سورة غافر، الآية: "٨٥]، وقوله في قِصَة فرعون: ﴿ءالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . [سورة يونس، الآية: "٩١] ".
فلم يُخلِّصهم إظهار الإيمان عند الضرورة والإرهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم١".
قال ابن حجر: "كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وآخرة، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيَّدًا بأنْ يجب الكفّ عنه حتَّى يختبر أمره، هل قال ذلك خالِصًا من لبه، أو خشيةً من القتل؟ وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية، وأمَّا كونهلم يلزمه دية ولا كَفَّارة فتوقَّف فيه الداودي وقال: "لعلَّه سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكَفَّارة".
_________________
(١) ١ الخطابي: حاشية سنن أبي داود ٣/١٠٣.
[ ١٦٨ ]
وقال القرطبي: "لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع، لكن فيه بُعْد لأنَّ العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع، قال: "فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء، لأنه كان مأذونًا له في أصل القتل، فلا يضمن ما أتلف من نفسٍ ولا مال كالخاتن والطبيب، أو لأنَّ المقتول كان من العدوِّ ولم يكن له وليٌّ من المسلمين يستحق ديته، قال: "وهذا يتمشى على بعض الآراء، أو لأنَّ أُسامة أقرَّ بذلك، ولم تقم بذلك بيِّنة فلم تلزم العاقلة الدية، وفيه نظر١".
وقال النووي: "أمَّا كونه ﷺ لم يوجب على أُسامة قصاصًا ولا دية ولا كَفَّارة، فقد يُستدَلُّ به لإسقاط الجميع، ولكن الكَفَّارة واجبة والقصاص ساقط للشبهة فإنه ظَنَّه كافرًا، وظَنَّ أنَّ إظهاره كلمة التوحيد في هذه الحال لا يجعله مسلمًا".
وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكل واحد منهما بعض من العلماء.
ويجاب عن عدم ذكر الكَفَّارة بأنَّها ليست على الفور، بل هي على التراخي وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأمَّا الدية على قول من أوجبها فيحتمل أنَّ أُسامة كان في ذلك الوقت معسرًا بها فأُخِّرَت إلى يساره٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري: ١٢/١٩٦. ٢ النووي على مسلم ٢/١٠٦.
[ ١٦٩ ]
وقال الزرقاني: "روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "أمر ﷺ لأهل مرداس بديته وردّ ماله إليهم". وقيل: "قال له: "اعتق رقبة". والله أعلم ٣".
قلت: "بالإضافة إلى ما ذكروه، فإنَّ أسامة - رضي الله تعالى عنه - كان في ذلك الوقت صغيرًا في السنِّ، وأنَّ ما حمله على قتل ذلك الرجل هو قِلَّة خبرته الفقهية، وبخاصّةً فقه الجهاد، باعتبار أنَّها أوَّل مشاركة جهادية، كما ورد في رواية ابن سعد السابقة١، ولأجل ذلك عذره النَّبِيُّ ﷺ، ولكنَّه أبلغ في اللوم والعتاب عليه سدًّا للذريعة، والتثبُّت، وبخاصّةً وأنَّ الأمر يتعلَّق بحياة إنسان بدت منه شبهة تدرأ عنه القتل". والله تعالى أعلم".
ثانيًا: "العبر والدروس المستفادة: "
إنَّ حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ لأسامة بن زيد - ولأبيه من قبله - رضي الله تعالى عنهما - لم يشفع له عند رسول الله ﷺ عندما أخطأ، فكان اللوم والتقريع والمحاسبة الشديدة على الخطأ".
وفي ذلك دليل على أنه لا محاباة، ولا محسوبيات في دين الإسلام، فالكل سواسية أمام الشارع، يحاسبهم على أخطائهم، لا فرق بين قريب أو بعيد، ولا غني أو فقير".
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم [١٨] .
[ ١٧٠ ]
استمرار سياسة النَّبِيِّ ﷺ العسكرية ضد الأعراب مِمَّا أدَّى إلى حصد النتائج السريعة المتوخاة من تلك السياسة العسكرية المتبعة ضدَّهم، نصر، وغنائم، وتأديب، ورعب".
كان الشعار في المعركة من مبتكرات النَّبِيِّ ﷺ في غزواته وبعوثه وسراياه وتتضح أهمية الشعار في القتال الليلي، أو الفجري الخاطف، وبخاصّةً إذا علمنا أنَّ العرب في ذلك الوقت يتشابهون فيما بينهم في اللباس والملامح، حيث لم تكن هنالك بزَّات١ عسكرية خاصّةً لكل جيش كما هو الحال اليوم في المؤسسات العسكرية الحديثة، فكان الشعار ينوب مناب اللباس الخاص للتفريق بين المسلمين وأعدائهم في ميدان المعركة، كما أنَّه يبث روح الحماس في نفوس الجند وهم يتصايحون به أثناء الانقضاض على العدوّ، كما حدث في هذه السرية". والله تعالى أعلم.
اتَّبع المسلمون الهجوم الفجري ضد الأعراب "فكان هذا الهجوم مباغتة كاملة أثَّرت على معنوياتهم، وأجبرتهم على الفرار".
"إنَّ الهجوم فجرًا يؤَمِّن المباغتة، لأنَّ العدوَّ يكون بين نائم لا يفيد في القتال، أو مستيقظٍ غير مُتَهَيئٍ له، وهؤلاء جميعًا غير متهيئين للقتال، ولا جدوى منهم للنهوض بأعباء الحرب".
_________________
(١) ١ جمع بزة: وهي البدلة العسكرية.
[ ١٧١ ]
ولكن الهجوم فجرًا يحتاج إلى قوة مددية تستطيع معرفة أهدافها، فلا يصطدم بعضها ببعض، فيؤدي ذلك إلى خسائر في الأرواح دون مبرر، مِمَّا يدل على تدريب المسلمين تدريبًا متميزًا على فنون القتال، كما يحتاج الهجوم فجرًا إلى قيادة مسيطرة وإلى ضبط شديد لتنفيذالأوامر"١".
وذلك واضح في الخطاب الذي ألقاه قائد السرية عليهم، وتأكيده على الضبط العسكري، ومبدأ طاعة الأوامر، ثُمَّ في تأليفه بين الجند ومؤاخاته بينهم، والحثّ على الاجتماع وعدم التفرُّق، وترك الإمعان في العمق دون مبرِّر".
"إنَّ نجاح المسلمين بهذا الهجوم معناه وصولهم إلى درجة عالية في التدريب والضبط، وهما أهمّ عناصر الجيش القوي الرصين"٢".
_________________
(١) ١ خطَّاب: الرسول - ﷺ - القائد ٢١٧. ٢ خطَّاب: الرسول - ﷺ - القائد ٢١٧.
[ ١٧٢ ]