تضمنَّت هذه السرية بعض الدروس والعظات المستفادة وهي:
تحذير النَّبِيِّ ﷺ أُمَّته من الوقوع في أسباب المهلكات الموجبة لعذاب الله - ﷿، واجتناب المحظورات".
بيان خشيته ﷺ، ورفقه بأُمَّته وخوفه عليهم مِمَّا يهلكهم في الدُّنيا والآخرة".
بلاغة وقوَّة الخطاب التحذيري الذي وجَّهه المصطفى ﷺ إلى أصحابه وأُمَّته مُحَذِّرًا إياهم من المهلكات الخمس بأسلوب سنن الله الكونية التي لابدَّ من وقوعها إذا ما توفرت شروطها، وتهيأت أسبابها، فظهور الفاحشة والإعلان بها بين الناس مَدْعاة لظهور الأمراض الخطيرة، وانتشار الأوبئة المستعصية وغير المعروفة من قبل".
والغش في الكيل والوزن والنقص فيهما، عقوبته تكون بالجدب والغلاء وظلم السلطان".
وتعطيل الزكاة ومنعها يؤدي إلى منع سقوط الأمطار، وبالتالي الجفاف والجدب".
ونقض العهد والميثاق والخيانة والغدر، مدعاة لتسلُّط الأعداء واستبدادهم وظلمهم وغصبهم للحقوق".
وترك الحكم بكتاب الله والحكم بغيره من القوانين والأنظمة الوضعية، عقوبته وقوع الفتنة، وسفك الدماء، واشتعال الحرب الأهلية".
[ ١٩٢ ]
بيان أنَّ العقوبة تكون من جنس العمل".
إنَّ ما ذكره وأخبر به رسول الله ﷺ من تلك العقوبات المستحقة لمن تلبَّس بأسبابها، ووقع في محظوراتها، نؤمن به، ونتيقن وقوعه، لصدق المُخْبِر به الذي لا ينطق عن الهوى، ولكننا نذكر وعلى سبيل الاستئناس بعض ما وقع في هذا الزمان من أمور، ربما تدخُل ضِمن إطار هذا الحديث، فقد شاع قبل مُدَّة وذاع خبر انتشار مرض خطير، وداء عضال، ووباء معدٍ، حار الأطباء - رغم البحث المتواصل والدراسات المتعددة والمكثفة - في التوصُّل إلى علاجٍ ناجع له، أو حتى مصل واقٍ منه".
هذا الداء العضال نشأ أول الأمر في الدول الغربية الإباحية - رغم محاولاتهم اليائسة وادّعاءاتهم الكاذبة بأنَّ منشأَهُ كان بعيدًا عنهم في أدغال أفريقية، متناسين البيئة الخصبة التي نشأ فيها المرض وترعرع، وهي بيئة الشذوذ الجنسي والإباحية المطلقة التي كانوا يشجعونها - ثُمَّ انتشر انتشار النار في الهشيم بطول الأرض وعرضها، وبخاصّة في الدول التي تشجع الإباحية في مجتمعاتها بطريقٍ مباشرٍ، وغير مباشر".
هذا المرض الخطير الذي أصبح مجرَّد النُّطْقُ باسمه يثير الفزع، ويبث الرعب في النفوس، هو مرض نقص المناعة المكتسبة، المسمَّى طبيًا (بالإيدز)، وهو مرض ثبت طبيًا أنَّ سببه المباشر كان من انتشار الشذوذ الجنسي (عمل قوم لوط) في تلك المجتمعات، وتفشيه بينهم
[ ١٩٣ ]
حتَّى أعلنوا به إعلانًا عظيمًا، لدرجة تبني بعض الحكومات والهيئات والشخصيات المؤثرة في تلك المجتمعات الدفاع عن حقوق الشاذّين جنسيًا١ في ممارسة عملهم القذر بحريَّةٍ تامَّة، وسن قوانين اجتماعية رسمية تبيح زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، ودعم المحاولات المستميتة منهم لوضع هذه الأُمور موضع التنفيذ على شكل مراسيم حكومية رسمية حتَّى تصبح ممارساتهم الشاذَّة ذات صبغة رسمية شعبية".
لقد كان انتشار هذا القذر في تلك المجتمعات بعد أن ملُّوا وسئموا الممارسات الجنسية الطبيعية - بالطبع غير الشرعية – بين الرجال والنساء التي كثرت، وأصبحت أمرًا حتميًا لا مفرَّ منه نتيجة الاختلاط والإباحية والتبرُّج والسُّفُور، والدعايات المركَّزة بشكل مباشر وغير مباشر لممارسة الجنس في كُلِّ وسائل الإعلام بأنواعها، وانتشار النوادي الليلية الحمراء، ونوادي العراة، والمنتجعات الساحلية السياحية، وغير ذلك من دواعي الإباحة ونشر الفاحشة والإعلان بها، ومع توالي الأمراض الوبائية الخطيرة عليهم، التي بدأت بمرض السيلان، ثُمَّ الزهري، إلاَّ أنَّهم لم يرتدعوا، واستمروا
_________________
(١) ١ في الحقيقة تسميتهم بهذا الاسم فيه نوعٌ من التعمية والتدليس، ومحاولة تلطيف حقيقة ممارساتهم البشعة والقذرة المنافية للدين والأخلاق والقيم الإنسانية، بل فيه منافاة شديدة للفطرة الإنسانية السليمة.
[ ١٩٤ ]
في غيهم، حتى بَعَثَ الله عليهم هذا الفيروس القاتل الذي يهاجم الجهاز المناعي في جسم الإنسان فيحطمه ويقضي عليه، فيصبح عندها الجسم نهبة لمختلف الأمراض التي تفتك بالإنسان دون أن تجد ما يقاومها".
ورغم ذلك كله، ورغم النداءات المتوالية من عُقَلاء القوم، والمؤتمرات المتعدِّدة للتحذير من ازدياد انتشار وشيوع هذا الوباء الفتَّاك في المجتمعات، إلاَّ أنَّنا نرى ونسمع في المقابل مؤتمرات أُخرى مشبوهة تُقَام بين حين وآخر بأسماء وشعارات زائفة، ودعايات برَّاقة، تدعو بشكلٍ مبطنٍ وغير مباشر لمزيد من الإباحية، والحرِّية المطلقة، وتشجيع ارتكاب الفواحش بعلاج نتائجها بالإجهاض، وغير ذلك من دَسِّ السُّمّ في العَسَلِ مِمَّن يُحبون شيوع الفاحشة وانتشارها بين النَّاسلإشباع غرائز بهيمية في نفوسهم، غير مدركين أو متعامِين عن الخطر الدَّاهِم، بتعدُّد الأمراض الوبائية وتجدُّدها، والتي كان آخرها ذلك المرض القاتل السريع الذي ظهر في بعض بلدان أفريقيا قبل أشهر، والمسمَّى (بفيروس أيبولا القاتل) الذي لا يمهل ضحاياه إلاَّ أيامًا معدودة ليقضي عليهم، حمى الله أُمَّتنا وبلادنا من شرور الأمراض والأوبئة الفتَّاكة، ومن أسبابها التي حذَّرنا منها رسول الله ﷺ".
بيان هديه ﷺ في لبس العمامة، والاعتمام.
[ ١٩٥ ]
معرفة صفة مجالس العلم التي كانت تعقد في مسجد النَّبِيِّ ﷺ، التي كان فيها ﷺ المعلِّم الأوَّل، والموجِّه النَّاصح، والمُفْتِي الفقيه.
لقد كان المسجد النَّبَويُّ في ذلك الوقت بمثابة جامعة بمعلِّمٍ واحدٍ يتلقَّى فيه الصحابة العلم والوعظ والفتوى والتوجيه والإرشاد، من مُعَلِّم البشرية النَّبِيّ محمَّد ﷺ، كما كان - أيضًا - بمثابة القاعدة العسكرية التي تنطلق منها الجيوش والسرايا والبعوث.
لقد كانت مراسم بَعْث السرايا، وتولية الأُمراء عليها، تتم في المسجد بشكلٍ مبسَّطٍ، لكنَّه متقن ومنظَّم، وبانضباطية مدهشة".
كان من أهم مراسم تولية القادة والأمراء على السرايا والبعوث، الوصايا التي كان القائد الأعلى للقوَّات الإسلامية ﷺ يُزَوِّدُ بها القادةَ والأُمراءَ كُلَّما بعثهم في بَعْثٍ، أو أرسلهم في سريةٍ، وصايا الحرب تلك كانت بمثابة تشريعات للحرب المقدَّسة التي كان يخوضها المسلمون ضد أعدائهم، والتي توضِّح بجلاء أي نوع من الحرب كان المسلمون يمارسونها ضد الأعداء باختلاف مشاربهم، وتعدُّد عداواتهم". لقد كانت بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء - حربًا فروسيةً بمعنى الكلمة، لم يشهد، ولن يشهد التاريخ لها مثيلًا -، إنَّ التأكيد في تلك الوصايا بالالتزام بالأخلاق الإسلامية السامية في التعامل مع الأعداء لأمر يثير الدهشة حقًا.
فالنهي عن الغدر، والتمثيل بالأعداء، والنهي عن التعدي على الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وحُسْن التعامل مع أهل
[ ١٩٦ ]