الحمد لله الذي لا إله إلاّ هو له العزّة والجبروت، وبيده الملك والملكوت، وله الأسماء الحسنى وأحسن النعوت.
الحمد لله المنّان، الملك الديّان، عظيم السلطان، واسع الإحسان، المتنَزِّه عن السِّنة والنّوم والنِّسيان، والغفلة والنقصان، ﷾، إليه الملجأ، وعليه التّكلان، أعدَّ برحمته للمؤمنين نعيم الجنان، ووعد بسطوته الكافرين عذاب النيران.
أحمده سبحانه حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه يليق بجلاله وجبروته وعظيم سلطانه.
وأُصلِّي وأُسلِّم على مَن أُنزل عليه الفرقان، وأُوتي سبعًا من المثاني العظيمة والقرآن، وَوُهِبَ جوامع الكلم والبيان، وأُيِّدَ بالرُّعْبِ مسيرة شهر نصرًا على الأعداء، صلاةً تليق بعظيم شأنه وحُسن مقامه.
وعلى آل بيته البررة الكرام، وصحابته الأخيار العظام، الذين قادوا السرايا والبعوث، وتصدّروا الجيوش، فقوَّضوا عروش الكفرة، وزلزلوا أرض المشركين الفجرة، فرفعوا راية الإسلام عالية، وغلبوا جنود الشيطان، وكانوا من حزب الرحمن، ألا إنّ حزب الرحمن هُمُ الغالبون.
قال - ﵎: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ . [سورة النساء، الآية: ٧٦] .
[ ٧ ]
وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَن أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ . [سورة الشورى، الآية: ١٣] .
قال درُّوزة: "وفيها تقرير حاسم لوحدة الأسس فيما أوحي الله إلى الأنبياء، وبخاصّة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وما أوحي إلى محمّدٍ ﷺ، وبالتالي تقريرٌ لوحدة الأسس بين القرآن والكتب السماوية"١.
والشام هي ديار الأنبياء السابقين، كما وصفها المقدسي بقوله: "إقليم الشام جليل الشأن، ديار النبيّين، ومركز الصالحين، ومطلب الفضلاء، به القبلة الأولى، وموضع الحشر، والمسرى، والأرض المقدّسة، والرباطات الفاضلة، والثغور الجليلة، والجبال الشريفة، ومُهَاجَر إبراهيم، وقبر وديار أيوب وبئره، ومحراب داود وبابه، وعجائب سليمان ومدنه، وتربة إسحاق وأمّه، ومولد المسيح ومهده، وقرية طالوت ونهره، ومقتل جالوت وحصنه، وجُب أرميا وحبسه، ومسجد أوديّا وبيته، وقبّة محمّد وبابه، وصخرة موسى، وربوة عيسى، ومحراب زكريا، ومعرك يحيى، ومشاهد الأنبياء، وقرى أيوب، ومنازل يعقوب، والمسجد الأقصى، وقبر موسى، ومضجع إبراهيم ومقبرته، وموضع لقمان، ووادي كنعان، ومدائن لوط، وموضع الجنان"٢.
_________________
(١) ١ محمّد عزَّة درُّوزة: سيرة الرسول ﷺ ١/٣٣٤. ٢ المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ١٥١.
[ ٨ ]
وإذا عدنا إلى الوراء قليلًا، عندما كان الإسلام في بدايته الأولى بمكّة تطالعنا رحلة الإسراء إلى بيت المقدس في أرض الشام، التي ذكرها القرآن، منوّهًا عنها: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَولَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . [سورة الإسراء، الآية: ١] .
وترجع البدايات الأولى لعلاقة الإسلام بالنصرانية، وزعيمتها الدّولة البيزنطية، إلى الإرهاصات المتبقية في العهدين القديم والجديد، والحديث من رهبان النصارى، وأحبار اليهود، وكُهَّان الوثنية، والأحناف، بأمر رسول الله ﷺ قبل مبعثه لما تقارب زمنه١.
"وهكذا فإنّ القرآن الكريم منذ الوقت المكبر من العهد المكّي يؤكّد، - وظلّ على ذلك في مختلف أدوار التّنْزِيل، - على وحدة المصدر الذي صدر عنه القرآن والكتب السماوية، ووحدة الأهداف والمبادئ التي تضمنها القرآن، وتلك الكتب، وتأييد القرآن والنبي ﷺ للأنبياء السابقين والكتب السابقة، والتنويه بهم، واستشهد - وظلّ يستشهد بأهل الكتاب - على صِحَّة رسالته النبوية والتّنْزِيل القرآني"٢.
_________________
(١) ١ عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٢٧١، باختصار. ٢ درّوزة، سيرة ١/٣٣٥-٣٣٦.
[ ٩ ]
والمسيح في مقام عالٍ، فولادته لم تكن عادية، كولادة بقيّة الناس، والقرآن يؤيّد أنّ عيسى كلمة الله، وروحٌ منه ألقاها إلى مريم، وأنه من البشر، وهو يذمّ ويُكَفِّر القائلين بألوهية المسيح.
وكان النبي ﷺ قد وقف منذ البدء موقف المسالِم المتحبِّب من الكتابيين المحتَرِم لأنبيائهم وكتبهم، ولم يقع بينه وبينهم أي احتكاك وعداء١.
وبعد قليل احتضن النجاشيّ المهاجرين بسبب اضطهاد مكّة لهم، أولئك الذين قال لهم رسولهم ﷺ وهو يبحث لهم عن موطن يأوون إليه ريثما تنكسر حِدَّة العدوان الوثني: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكًا لا يُظْلَمُ عنده أحدٌ، وهي أرض صدق"٢.
وفي المقابل نجد المسلمين، وهُم قلّة مضطهدة في مكّة، يهزّهم نبأ الهزيمة الساحقة التي مُنِيَ بها الروم المسيحيون على أيدي الفرس الوثنيين، ويصيبهم بحزنٍ عميقٍ إزاء الفرح الغامر الذي غمر قلوب مشركي قريش، وتنْزل آيات القرآن الكريم تتحدّث عن الواقعة الحاسمة، وتتنبأ بالانتصار الحاسم الذي سيحققه المعسكر النصراني ضد أعدائه المجوس، حيث يفرح
_________________
(١) ١ درّوزة: سيرة ١/٣٢٦. بتصرف. ٢ خليل: دراسة ٢٨١، وانظر في هذه الرواية: سيرة ابن إسحاق: ١٩٤، وفتح الباري ٧/١٨٨، وقد حسّنها الدكتور أكرم العمري في صحيح السيرة النبوية الصحيحة ١/١٧٠.
[ ١٠ ]
فسبحانه وتعالى جلّ شأنه، جعل العِزَّة لأهل طاعته ورضوانه، إذ قال ﷿: ﴿وَلله العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤْمِنِينَ﴾ . [سورة المنافقون، الآية: ٨] .
وقال ﷾: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُم تَرَاهُم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الله وَرِضْوَانًا﴾ . [سورة الفتح، الآية: ٢٩] .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمّد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمّد ﷺ فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيّه يقاتلون عن دينه"١.
وكما جعل تعالى العِزَّة لأهل طاعته ورضوانه، ضرب الذِّلَّة والصَّغَار على مَن خالف أمره، عن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله ﷺ: "بُعِثتُ بالسَّيف بَيْن يدي السّاعة حتّى يُعْبَد الله وحده لا شريك له، وجُعِلَ رزقي تحت ظلّ رُمحي، وجُعِلَ الذِّلَّة والصَّغَار على مَن خالف أمري" ٢.
١ أخرجه الإمام أحمد (المسند: مسند عبد الله بن مسعود - م - ٣٦٠٠)، وصحّح إسناده أحمد شاكر، طبعة دار المعارف بمصر.
٢ أخرجه أحمد (المسند ٢/٥٠)، وجوّد إسناده ابن تيمية في الاقتضاء ٣٩، وحسّنه الحافظ في الفتح.
[ ١١ ]
وهكذا لما أخرجه المشركون المعاندون والمخالفون لأمره من مكَّة، قال أبو بكر ﵁: "أخرجوا نبيّهم، ليهْلَكُنَّ". فنَزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَِلُون بِأَنَّهُم ظُلِمُوا وَإِنَّ الله عَلَى نَصْرِهِم لَقَدِيرٌ﴾ . [سورة الحجّ، الآية: ٣٩] .
فقال أبو بكر ﵁: "لقد علمت أنه سيكون قتال".
قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما ـ: "وهي أوّل آية أُنزلت في القتال"١.
وكان ذلك من باب المعاملة بالمثل، كما ذكر النبيّ ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عنه، قال: "إنّ الله أمرني أن أحَرِّق قريشًا، فقلت: ربّ إذن يثلغوا٢ رأسي فيدعوه خبزًا، قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وابعث جيشًا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك مَن عصاك"٣.
وهكذا شرع الله الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم عندما كانوا بمكّة كان المشركون أكثر عددًا، فلو أُمر المسلمون، وهم قليل، بقتال الباغين لشقّ عليهم، فلمّا بغى المشركون، وأخرجوه - ﵇ - من بين أظهرهم، وهمّوا بقتله، واستقرّ ﵇ بالمدينة، واجتمع عليه أصحابه، وقاموا بنصره، وصارت المدينة دار إسلام، ومعقلًا يلجأون إليه،
١ أخرجه الترمذي وحسّنه. (انظر: المباركفوري: تحفة الأحوذي ٩/١٤-١٥)، وأخرجه الحاكم (المستدرك ٢/٧٦، ٣/٨-٩)، وصحّحه. ووافقه البيهقي.
٢ ثلغ رأسه: شدخه.
٣ أخرجه مسلم (الصحيح ١٠/٣١٤) .
[ ١٢ ]
شرع الله جهاد الأعداء، فبعث - ﵇ - البعوث والسرايا١ التي انطلقت في كلّ اتجاه تدك حصون الباغين، وتشيع الرعب في قلوب المشركين، وكان هدفها جميعًا هو إخراج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان واليقين، ومن عبادة العباد إلى عبادة ربّ العباد الواحد القهار، المتفرّد بصفات الكمال، حتى ضرب الإسلام بجرانه٢ في أرض الجزيرة العربية، وأصبحت دار أمن وأمان ونور وسلام بعد القضاء على قوى الشرك والكفر فيها، التي كانت تمنع الناس من حرية العقيدة، وتقف حجر عثرة في سبيل نشر العقيدة الصحيحة، عقيدة التوحيد الصافية.
فلمّا تمَّ للمسلمين ذلك الأمر، تطلعوا إلى أقرب المناطق للجزيرة، فإذا هي أرض الشام، أرض المحشر، المنفذ الشمالي الواسع للجزيرة العربية، فانتقل النبي ﷺ بالسرايا والبعوث إلى هذه المنطقة تمهيدًا لنشر الإسلام، رسالة الله الخالدة إلى كافّة البشر.
وأرأرض الشام ليست أرضًا غريبةً على الإسلام، بل هي مهد الرسالات السماوية، وأرض المحشر، باعتبار أنّ الأنبياء جميعًا دعواهم واحدة هي الإسلام، قال الله - ﵎ - في سبيل تقرير هذه الحقيقة الواضحة: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْكَ وَمَا
_________________
(١) ١ القسطلاني: المواهب اللدنية ١/٣٨٧. ٢ الجران: هو مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره. (القاموس: جرن) . والمقصود أنّ الإسلام قد امتدَّ في أرض الجزيرة كما يمدّ البعير بجرانه.
[ ١٣ ]
المؤمنون: ﴿ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعَدِ غَلَبِهِم سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ . [سورة الرّوم، الآية: ١-٤] .
وقد تحقّقت النبوءة القرآنية التي لا تخطئ، وفي بضع سنين أَلْحَقَت القوات البيزنطية بقيادة هرقل هزيمة ساحقة بالقوات الفارسية، استردت في أثرها بلاد الشام، وفلسطين، وأجزاء واسعة من العراق، وذهب هرقل إلى بيت المقدس لكي يسجد شكرًا لله، وغمرت الفرحة القلّة المضطهدة في ظلمات الوثنية.
لكن هذا كُلُّه لم يمنع الكثرة من النصارى العرب أن تلعب دورها في العصر المدني بمواجهة الإسلام، وتتّخذ المواقف العدائية ضدّه على شتّى المستويات، بدفع من الدولة والكنيسة البيزنطية في معظم الأحيان، وبمعزلٍ عنهما في بعض الأحيان١.
وبمرور الوقت، واتساع نفوذ الإسلام شمالًا، ووصول أنباء انتصاراته على الوثنية واليهودية إلى قبائل الشمال، بدأ المعسكر البيزنطي يفتح عينيه على الخطر المحدق بوجوده من جهة الجنوب، وأغلب الظّن أن الإمبراطور البيزنطي وكبار قادته تصوّروا الأمر في بدايته مجرّد اندفاع قبلي كبير صوب الشمال، أو محاولة إمارة عربية ناشئة توسيع رقعتها الجغرافية كما كانت تفعل إمارة كِندة، أو تدمر، على سبيل المثال، ورأوا أنه بإمكان
_________________
(١) ١ خليل: دراسة في السيرة ٢٨١-٢٨٢.
[ ١٤ ]
حلفائهم العرب أنفسهم أن يكفوا الدولة البيزنطية عناء وقف هذا الامتداد، وصدّ هذه الإمارة الطموحة عن الامتداد إلى الشمال.
أكثر من هذا أنّهم اعتقدوا أنه بإمكان قبيلة من أتباعهم أن تتحرّك صوب الجنوب، لتضرب القوّة الجديدة في قاعدتها نفسها، وتقصم ظهرها، وأغلب الظنّ أيضًا أن هذا الاعتقاد هو الذي دفع القبائل القاطنة في دومة الجندل في أقصى الشمال، والتي يتزعهما أُكَيْدِر بن عبد الملك الكِنْدِي، الذي يدين بالنصرانية، ويخضع لهرقل، إلى أن تتجمع وتتهيأ في زحفٍ سريعٍ لضرب المسلمين في المدينة في ربيع من السنة الخامسة للهجرة، إلاّ أنّ الرسول ﷺ أخذ زمام المبادرة، وتحرّك بسرعة صوب الشمال على رأس ألف من أتباعه، ومن أجل أن يباغت القوم في ديارهم أخذ يسير بأصحابه ليلًا ويكمن نهارًا، حتى اقترب من هدفه، فجعلت القبائل العربية القاطنة هناك تهرب من بين يديه، لا تلوي على شيء، وبعد أن بثّ سراياه في المنطقة، قفل الرسول ﷺ عائدًا دون أن يلقى من العدوّ كيدًا.
وهكذا يمكن اعتبار غزوة دومة الجندل هذه أوّل حلقة في سلسلة الصراع الحربي بين عالَمي الإسلام والنصرانية، يؤكّد هذا ما ذكر الواقدي من أنّه قيل للرسول ﷺ وهو بصدد مهاجمة دومة الجندل: إنها طرف في أفواه الشام، فلو دنوت لها لكان ذلك مما يفزع قيصر.
ولم يمض سوى عام أو بعض عام حتى قام الرسول ﷺ بإرسال عبد الرحمن بن عوف في شعبان من السنة السادسة لقتال قبيلة كلب النصرانية في نفس المنطقة، وطلب منه أن يتزوّج ابنة ملكهم إن استجابوا له، تعزيزًا
[ ١٥ ]
للعلاقات بين الطرفين، وكسبًا لودّ هذه القبيلة الموالية للعدوّ البيزنطي، فتقدّم عبد الرحمن إلى دومة الجندل، ومكث هناك ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي أميرهم النصراني، وأسلم معه ناسٌ كثير من قومه، بينما وافق الآخرون على الاستمرار في دفع الجزية مع البقاء على دينهم، ونفّذ عبد الرحمن أمر الرسول ﷺ وتزوّج تماضر ابنة الأصبغ، وقدم بها إلى المدينة.
وقد كان من نتائج هذين الانتصارين أن أدركت القبائل الضاربة هناك أن حجم القوّة الإسلامية وقدرتها على التحرّك أكبر ممّا كانت تظن، وربّما بلغ ذلك القيادة البيزنطية نفسها، فكفّت عن تكرار المحاولة ردحًا طويلًا من الزمن أتاح للمسلمين تحقيق انتصارهم على الوثنية في صلح الحديبية، وتصفية المواقع اليهودية في الشمال، خيبر والقرى المحيطة بها، وقيام النبي ﷺ بمكاتبة ملوك وأمراء العالم، بما فيهم الإمبراطور البيزنطي وأتباعه الغساسنة، وحكّام مصر والحبشة.
والحقّ أن المعسكر البيزنطي هو الذي حظي بالقسط الأعظم من مكاتبة الملوك والأمراء، ربّما لأن الرسول ﷺ أدرك أن الوشائج التي تربط الإسلام بهذه الجهة، باعتبارها تنتمي إلى دينٍ سماويٍّ، تنصّ مصادره الدينية على نبوّة الرسول ﷺ ستقودهم إلى تفهّم دعوته التي انطلق بها سفراؤه إلى ملوك وحُكّام هذه المعسكر، فضلًا عن قربه الجغرافي من شبه الجزيرة، إلاّ أنّ ردود الفعل النصرانية لم تكن سواء، وتدرّجت بين الانتماء إلى الدعوة الجديدة، أو الموقف الوديّ منها، وبين الرفض الغاضب الوقح.
[ ١٦ ]
وفي أعقاب صلح الحديبية بعث الرسول ﷺ أربعة من رجاله إلى العالم النصراني: دِحْيَة بن خليفة الكلبي إلى الإمبراطور البيزنطي هرقل، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس حاكم مصر، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي حاكم الحبشة، وشجاع بن وهب الأسدي إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني حاكم دمشق.
لقد أوضحت تلك الكتب والرسائل التي بعثها رسول الله ﷺ إلى ذلك العالم "أنّ هذا الدين ليس دين عربٍ أو جزيرة عربية، وإنّما هو دين الإنسان حيثما كان هذا الإنسان، ونداء إلى السلطات الحاكمة أن تستجيب للدعوة أو تسمح - على الأقل - لدعاتها بممارسة نشاطها بحريّة، ولشعوبها في مقابلة هؤلاء الدعاة والاستماع إليهم لكي يختاروا عقيدتهم على بيّنةٍ، بعيدًا عن الضغط والقسر والإكراه، وإنذارًا لهذه السلطات بأنّها إن لم تُلَبِّ وتستجب، فإنّ جيوش الدعوة الجديدة ستنساح عمّا قريب في مشارق الأرض ومغاربها لكي تسقط التيجان، وتثلُّ العروش، وتنْزل السلطات من مناصبها العليا، وتخرج الناس بذلك وحده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ١.
ويبدو أنّ تلك السلطات بما لها من قوّة سياسية وعسكرية مؤثّرة في المنطقة، رأت في ذلك استفزازًا لها وتعديًا على كبريائها، وانتهاكًا لسيادتها
_________________
(١) ١ خليل: دراسة ٢٨٣-٢٨٦، ٢٩٣.
[ ١٧ ]
على المنطقة، فاستغلت أقرب فرصة للتعبير عن رفضها القاطع للدعوة الجديدة، ومحاربتها بكل الوجوه، فكان ذلك التعدي، وتلك المواقف الغادرة من بعض أمراء وقبائل المنطقة ضدّ الدعاة - الذين أرسلهم النبي ﷺ - إلى ذات أطلاح، ثُمَّ مقتل الحارث بن عمير الأزدي مبعوث النبي ﷺ إلى ملك بصرى.
فكان على الرسول ﷺ أن يتخذ موقفًا حاسمًا إزاء القبائل العربية النصرانية الموالية للبيزنطيين بعد المواقف التي اتّخذها بعض أمرائها من دعاة الإسلام ورسلهم إلى الشام١.
فكانت غزوة مؤتة في السنة الثامنة، ثُمَّ توالت السرايا والبعوث النبوية بعد ذلك، فكانت ذات السلاسل، ثُمَّ أُبنى، وغيرها من البعوث والسرايا التي كانت جميعها بما فيها غزوة مؤتة وما قبلها من السرايا تصب في بوتقةِ نشر الدعوة وإعلاء كلمة الله، وتمهيد للفتوحات الإسلامية في تلك المنقطة الغالية والعزيزة على قلوب المسلمين بحسب ما ذكرناه من الاعتبارات السابقة. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ خليل: دراسة ٢٩٤، باختصار.
[ ١٨ ]