خلق الله تعالى الخلق كافة على الفطرة، قد جبلها الله على التوحيد ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ (٢).
ولا عذر لمشرك بعد هذا الميثاق، وبعد التذكير به على لسان الرسل جميعا على مدار التاريخ والمخلوق الذي يخلق إنما يخلق حنيفا مسلما على فطرة التوحيد ابتداء «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب لسانه، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٣).
والشياطين هي التي اجتالت بني آدم وحرفتهم عن التوحيد إلى الشرك كما مر في الحديث السابق وأحلت لهم ما حرم عليهم، وحرمت عليهم ما أحل الله لهم، وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا.
ويستوي في ذلك شياطين الإنس والجن ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا
_________________
(١) مختصر زاد المعاد ٨.
(٢) الأعراف ١٧٢، ١٧٣.
(٣) صحيح الجامع الصغير وزيادته وقد رواه أبو يعلى والطبراني عن الأسود بن سريع.
[ ٣٣ ]
شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون﴾ (١).
وهذه صورة من صور هذا الإيحاء: (عن ابن عباس ﵄ قال: صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد .. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت) (٢).
(وذكر الطبري هذا المعنى وزاد: أن سواعا كان ابن شيث، وأن يغوث كان ابن سواع، كذلك يعوق ونسر كلما هلك الأول، صورت صورته، وعظمت لموضعه من الدين، ولما عهدوا في دعائه من الإجابة، فلم يزالوا هكذا حتى خلفت الخلوف، وقالوا: ما عظم هوتاء آباؤنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة) (٣).