أما الزراعة فكانت قائمة في أطراف الجزيرة العربية وخاصة في اليمن
_________________
(١) يصف تشرابه للخمر المعتق الذي اختلط بالماء.
(٢) يصف لذته الجنسية مع خليلة له وقد اختلى بها.
(٣) يصف إجابته لمنادي القتال واندفاعه للمعركة.
(٤) من معلقة طرفة بن العبد ص ٨٢، ٨٣ شرح المعلقات السبع للزوزني ط. المكتبة الفيصلية.
[ ٥٩ ]
والشام، وبعض الواحات المنتشرة في الجزيرة العربية.
لكن الغالب على البادية رعي الإبل والغنم وقصد مواقع الكلأ والتنقل لانتجاعه حيث لا يعرفون الاستقرار إلا في مضارب خيامهم، بينما كان أهل المدن الكبرى يعملون أحيانا في الزراعة.
وأما الصناعات فكانوا أبعد الأمم عنها، وكانوا يأنفون منها، ويتركون العمل فيها للأعجام والموالي، ويكفي أن نعلم أنهم عندما أرادوا بنيان الكعبة، وهي أقدس شيء عندهم استعانوا برجل قبطي نجار كان مقيما في مكة كما يذكر ابن إسحاق (١) ويقول الأموي في مغازيه: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام والخشب والحديد سرحها قيصر مع باقوم الرومي إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس للحبشة، فلما بلغت مرساها في جدة بعث الله عليها ريحا فحطمتها) (٢).
لكن التجارة كان لها النصيب الأوفى وخاصة في مكة وقريش كما ذكر القرآن الكريم: ﴿لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصيف * فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف﴾ (٣).
غير أن هذه التجارة غير آمنة، وهي تتعرض للسلب والنهب في أي وقت، وقد تقع الحروب العنيفة من أجل ذلك، وما حرب الفجار عنا ببعيد، والتي قامت لأن عروة الرحال من هوازن أجار تجارة للنعمان بن المنذر على بني
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ١٩٣.
(٢) البداية والنهاية لابن كثير ٢/ ٣٢٥.
(٣) سورة قريش.
[ ٦٠ ]
كنانة، وقتل عروة الرحال على يدي البراض بن قيس، وهاجت الحرب بين القبيلتين (١)، وقد أدت هذه التجارة إلى تكوين طبقة من الأثرياء والمترفين مقابل طبقة من الفقراء والمعدمين المنبوذين.
ولا أدل على ذلك مما يعرضه القرآن من صورة الملأ المكذبين بالدين المترفين مقابل ما يعانيه الفقراء والمعذبون الذين تمثلوا بالمساكين والذين لا يجدون قوتهم الضروري ولا كسوتهم التي تقيهم حر الصيف وقر الشتاء. بل أوقف الملأ من قريش سماعهم للدعوة على ضوء إبعاد العبيد والموالي والفقراء من مجلسهم مع رسول الله - ﷺ -) (٢).