(ولد ابن إسحاق في المدينة، وترجح كتب التاريخ أن مولده كان سنة ٨٥ هـ أما وفاته فالأقوال فيها محصورة بين سنة ١٥٠ هـ وبين ١٥٣ هـ لا تكاد
_________________
(١) محمد بن إسحاق صدوق يدلس روى له البخاري تعليقا والترمذى وابن ماجة التقريب ٢/ ٣٢١.
(٢) زيادة بن عبد الله البكائي صدوق ثبت في المغازي، روى له البخاري تعليقا ومسلم والترمذي وابن ماجه. التقريب ٢/ ١٤٤.
(٣) محمد بن عمر الواقدي متروك مع سعة علمه روى له ابن ماجه. التقريب ٢/ ١٩٤.
(٤) محمد بن سعد صدوق فاضل وروى له أبو داود وهو كاتب الواقدي. تقريب التهذيب ٢/ ١٦٣.
(٥) من مقدمة السيرة النبوية لابن هشام للسقا والأبياري والشلبي ط ٢ ١٩٧٥م.
(٦) هو محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار المدني القرشي مولى قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف. كان جده يسار من سبي عين التمر غربي الكوفة افتتحها المسلمون أيام أبي بكر ﵁ سنة ١٢ هـ على يد خالد بن الوليد، وبكنيسة عين التمر وجد خالد بن الوليد جد ابن إسحاق هذا بين الغلمة الذين كانوا رهنا في يد كسرى، فجيء بيسار إلى المدينة. عن الطبقات ٧/ ٣٢١.
[ ٢٢ ]
تعدو هذه السنين الأربع.
ترك ابن إسحاق المدينة ورحل إلى غيرها متنقلا في أكثر من بلد، وفي ظننا أن رحلته إلى الإسكندرية التي كانت سنة ١١٥ هـ هي أولى رحلاته التي بدأ بها. وفي الإسكندرية حدث عن جماعة من أهل مصر منهم: عبيد الله بن المغيرة، ويزيد بن أبي حبيب، وثمامة بن شغي، وعبيد الله بن أبي جعفر، والقاسم بن قزمار، والسكن بن أبي كريمة، وانفرد ابن إسحاق برواية أحاديث عنهم لم يروها لهم غيره.
ثم كانت رحلته إلى الكوفة والجزيرة والري والحيرة وبغداد، وفي بغداد على الأرجح ألقى عصا الترحال ورواة ابن إسحاق من هذه البلدان أكثر ممن رووا عنه من أهل المدينة، بل المعروف أنه لم يرو له من أهل المدينة غير إبراهيم ابن سعد، وعاش ببغداد ما عاش حتى وافته منيته فدفن في مقبرة الخيزران) (١).
كان ابن إسحاق من أعلام القرن الثاني، وكان له علمه الواسع، وإطلاعه الغزير في أخبار الماضين، وشاءت المقادير أن يدخل ابن إسحاق على المنصور، ببغداد- وقيل بالحيرة- وبين يديه ابنه المهدي، فقال له المنصور: أتعرف هذا يابن إسحاق؟ قال: نعم، هذا ابن أمير المؤمنين، قال: اذهب فصنف له كتابا منذ خلق الله تعالى آدم ﵇ إلى يومك هذا.
فذهب ابن إسحاق، فصنف له هذا الكتاب، فقال له: لقد طولته
_________________
(١) من مقدمة السيرة النبوية تحقيق السقا وزملائه ص ١٤.
[ ٢٣ ]
يابن إسحاق، اذهب فاختصره، فاختصره، وألقي الكتاب الكبير في خزانة أمير المؤمنين.
ولكن بعض الدارسين يرى أن ابن إسحاق لم يؤلف كتابه بأمر من الخليفة، ولا في بغداد أو الحيرة، وإنما ألفه في المدينة قبل إقامته لدى العباسيين.
(وتبين من سيرة ابن هشام، وما اقتطفه الطبري وغيره من سيرة ابن إسحاق أنها كانت أصلا مقسمة إلى ثلاثة أجزاء: المبتدأ، المبعث، والمغازي. أما المبتدأ فيتناول تاريخ ما قبل الإسلام، وينقسم إلى أربعة فصول: يتناول أولها تاريخ الرسالات السابقة على الإسلام، وثانيها تاريخ اليمن في الجاهلية، وثالثها تاريخ القبائل العربية وعباداتها، والرابع تاريخ مكة وأجداد الرسول - ﷺ. ولا يعنى ابن إسحاق في هذا الجزء بأسانيد أخباره إلا نادرا. ويستقى من الأساطير والإسرائيليات.
أما المبعث فيشمل حياة النبي - ﷺ - في مكة، ونرى المؤلف فيه يصدر الأخبار الفردية بموجز حاو لها .. ويعنى بالترتيب الزمني للحوادث، كما تزداد عنايته بأسانيد الأخبار.
وأما المغازي، فتتناول حياة النبي في المدينة، وما جرى فيها. على أن يبدأ الخبر بموجز حاو لمحتوياته، ثم يتبعه بخبر من جميع الأقوال التي أخذها من رواته، ثم يكمله بما جمعه هو نفسه من المصادر المختلفة .. ويلتزم إيراد الإسناد، والترتيب الزمني) (١)
_________________
(١) من مقدمة المحققين للسيرة النبوية. السقا الأبياري وشلبي ص ١٠.
[ ٢٤ ]
ومحمد بن إسحاق ﵀ ثبت في الحديث عند أكثر العلماء، وأما في المغازي والسير فلا تجهل إمامته فيهما (١).
(قال ابن شهاب الزهري: من أراد المغازي فعليه بابن إسحاق. ذكره البخاري في التاريخ وذكر عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما أدركت أحدا يتهم ابن إسحاق في حديثه، وذكر أيضا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: ابن إسحاق أمير المؤمنين، يعني في الحديث) (٢).
وذكر أبو يحيى الساجي ﵀ بإسناد له عن الزهري أنه قال: خرج
_________________
(١) يقول ابن سيد الناس في كتابه عيون الأثر م١ ص ٢٢: وقد ذكره أبو حاتم ابن حبان في كتاب الثقات له، فأعرب عما في الضمير، فقال تكلم فيه رجلان هشام ومالك. فأما هشام فأنكر سماعه من فاطمة والذى قال ليس مما يجرح به الإنسان في الحديث، وذلك أن التابعين كالأسود وعلقمة سمعوا من عائشة من غير أن ينظروا إليها بل سمعوا صوتها، وكذلك ابن إسحاق كان يسمع من فاطمة والستر بينهما مسبل، قال وأما مالك فإنه كان ذلك منه مرة واحدة ثم عاد له إلى ما يحب وذلك أنه لم يكن بالحجاز أحد أعلم بأنساب الناس منه وأيامهم من ابن إسحاق. وكان يزعم أن مالك من موالي ذي أصبح، وكان مالك يزعم أنه من أنفسها، فوقع بينهما لذلك مفاوضة فلما صنف مالك الموطأ قال ابن إسحاق: ائتوني به فأنا بيطاره، فنقل ذلك إلى مالك فقال: هذا دجال من الدجالة يروى عن اليهود. وكان بينهما ما يكون بين الناس. حتى عزم محمد على الخروج إلى العراق فتصالحا حينئذ وأعطاه عند الوداع خمسين دينارا ونصف ثمرته تلك السنة، ولم يكن يقدح فيه مالك من أجل الحديث، إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي - ﷺ - من أدلاء اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وقريظة والنضير وما أشبه ذلك من الغرائب عن أسلافهم وكان ابن إسحاق يتبع ذلك عنهم ليعلم ذلك من غير أن يحتج بهم. وكان مالك لا يرى الرواية إلا عن معتمد صدوق.
(٢) التاريخ الكبير للبخاري م١ ق١ ت ٦١ ص ٤١.
[ ٢٥ ]
إلى قريته باذام، فخرج إليه طلاب الحديث، فقال لهم: أين أنتم من الغلام الأحول (يعني ابن إسحاق). وذكر عن يحيى بن معين وأحمد بن حنبل ويحيى بن سعيد أنهم وثقوا ابن إسحاق واحتجوا بحديثه. وذكر علي بن عمر الدارقطني في السنن حديث القلتين من جميع طرقه وما فيه من الاضطراب ثم قال في حديث جرى: وهذا يدل على حفظ محمد بن إسحاق وشدة إتقانه. قال الموتف: وإنما لم يخرج البخاري عنه وقد وثقه، وكذلك وثقه مسلم ابن الحجاج ولم يخرج عنه أيضا- إلا حديثا واحدا في الرجم- من أجل طعن مالك فيه. وإنما طعن فيه مالك فيما ذكر أبو عمر ﵀ عن عبد الله ابن إدريس الأودي؛ لأنه بلغه أن ابن إسحاق قال: هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله؛ فقال مالك: وما ابن إسحاق إن هو إلا دجال من الدجاجلة أخرجناه من المدينة.
وذكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت في تاريخه أنه روى عن سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وأبي سلمة بن عبد الرحمن. وروى عنه سفيان الثوري والحمادان، حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وشعبة. وذكر عن الشافعي ﵁ أنه قال: من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن إسحاق (١).
وأما الرواة الذين رووا هذا الكتاب عنه فكثيرون منهم يونس (٢) بن بكير
_________________
(١) مقدمة ابن سيد الناس لكتابه عيون الأثر من ص ٨ إلى ص ٢١ وهذه ترجمة مختصرة عنه.
(٢) يونس بن بكير الشيباني: يخطئ روى له البخاري معلقا ومسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذى. التقريب ٢/ ٣٨٤.
[ ٢٦ ]
الشيباني، ومحمد بن فليح (١)، والبكائي، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (٢)، وعبد الله بن إدريس (٣)، وسلمة بن الفضل الأسدي (٤).
ونذكر البكائي لأنه شيخ ابن هشام وهو: أبو محمد زياد بن عبد الله بن طفيل بن عامر القيسي العامري وهو ثقة خرج له البخاري في كتاب الجهاد، وخرج له مسلم في مواضع من كتابه، وحسبك بهذا تزكية، وقد روى زياد عن حميد الطويل، وذكر البخاري في التاريخ عن وكيع قال: زياد أشرف من أن يكذب في الحديث (٥).
قام العلامة الأستاذ محمد بن حميد الله بنشر أجزاء من سيرة ابن إسحاق الأصلية والتي وجدت مخطوطاتها في المغرب ودمشق. وليس بين يدينا من سيرة ابن إسحاق إلا هذه القطع المتناثرة، وهي لم يدخلها تهذيب ابن هشام بل بقيت على الأصل، وكان هذا في عام ١٣٩٦ للهجرة، ويوجد بعض المخطوطات المتناثرة يقال أنها من سيرة ابن إسحاق في قسم المخطوطات بجامعة أم القرى في مكتبة معهد البحوث العلمية تحتاج إلى تحقيق وتوثيق.
_________________
(١) محمد بن فليح: صدوق يهم روى له البخاري والنسائي وابن ماجه. التقريب ٢/ ٢٠١.
(٢) إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قيل له رؤية (أي من الصحابة) روى له البخاري ومسلم وأبو دود والنسائي. التقريب ١/ ٣٨.
(٣) عبد الله بن إدريس ثقه فقيه عابد روى له الستة في كتبهم. التقريب ١/ ٤٠١.
(٤) سلمة بن الفضل الأسدي صدوق كثير الخطأ روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه في التفسير (التقبريب ١/ ٢٦٨).
(٥) التاريخ الكبير للبخارى ٣/ ٣٦١، ترجمة رقم ١٢١٨.
[ ٢٧ ]