لما كانت أيام معاوية، أحب أن يدون في التاريخ كتاب، فاستقدم
[ ١٩ ]
عبيد بن شرية الجرهمي من صنعاء، فكتب له كتاب الملوك لأخبار الماضين.
(بعد هذا رأينا أكثر من واحد من العلماء يتجهون إلى علم التاريخ من ناحيته الخاصة لا العامة وهي سيرة الرسول - ﷺ، ولعلهم وجدوا في تدوين ما يتعلق به ﵊ شيئا يحقق ما في أنفسهم من تعلق به، وحب لتخليد آثاره، فجاء أكثر من رجل كلهم محدث، فدونوا في السيرة كتبا نذكر منهم عروة بن الزبير بن العوام (١) الفقيه المحدث، الذي مكنه نسبه من قبل أبيه الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر أن يروي الكثير من الأخبار والأحاديث عن النبي - ﷺ - وحياة صدر الإسلام.
وحسبك أن تعلم أن ابن إسحاق، والواقدي، والطبري أكثروا من الأخذ عنه، ولا سيما فيما يتعلق بالهجرة إلى الحبشة، والمدينة، وغزوة بدر، وكانت وفاة عروة- فيما يظن- سنة ٩٢ هـ.
ثم أبان بن عثمان بن عفان (٢) المدني المتوفى سنة ١٠٥ هـ فألف في السيرة
_________________
(١) أخرج الدكتور محمد مصطفى الأعظمي كتاب المغازي لعروة بن الزبير برواية أبي الأسود عنه وعلى هذا الأساس فهي أقدم سيرة بين أيدينا على الإطلاق. وهي من القرن الأول للهجرة، ولا بد من الإشارة إلى أن الدكتور الأعظمي استخرجها استخراجا من كتب الحديث والسيرة. ولم تصل إلى يده النسخة المخطوطة. وابن الزبير في عرضه للسيرة النبوية لا يعتمد السند كثيرا، بل يقدم معلوماته في هذا الموضوع، وهو عند المحدثين ثقة فقيه مشهور، وقد روى له السته في صحاحهم ومسانيدهم. تقريب التهذيب ٢/ ١٩.
(٢) قال (يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه، أنه لم يكن عنده خط مكتوب من الحديث إلا مغازي النبي - ﷺ - أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيرا ما تقرأ عليه وأمرنا بتعلمها) ابن سعد ٥/ ١٥٦. وتقول بعض الروايات أنه كتبها لسليمان بن عبد الملك. وأتلفها سليمان. وأبان ابن عثمان عند المحدثين مدني ثقة روى له البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة. التقريب ١/ ٣١.
[ ٢٠ ]
صحفا جمع فيها أحاديث حياة الرسول - ﷺ -.
ثم وهب بن منبه (١) اليمني المتوفى سنة ١١٠ هـ، وفي مدينة هيدلبرج بألمانيا قطعة من كتابه الذي ألفه في المغازي.
وغير هوتاء كثير، ممن قضى نحبه قرب تمام الربع الأول من القرن الثاني كشرحبيل بن سعد (٢) المتوفى سنة ١٢٣ هـ، وابن شهاب الزهري (٣) المتوفى سنة ١٢٤ هـ، وعاصم بن عمر بن قتادة (٤) المتوفى سنة ١٢٠ هـ، ومنهم من جاوزه بسنين كعبد الله بن أبي بكر بن حزم (٥) المتوفى سنة ١٣٥ هـ، وكان هوتاء الأربعة ممن عنوا بأخبار المغازي، وما يتصل بها.
ومنهم من عاش حتى أوشك أن يدرك منتصف القرن الثاني أو جاوزه بقليل؛ كموسى بن عقبة (٦) المتوفى سنة ١٤١ هـ، ثم معمر بن راشد (٧) المتوفى
_________________
(١) وهب بن منبه اليماني ثقة من الثالثة، روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. التقريب ٢/ ٣٢٩.
(٢) شرحبيل بن سعد صدوق اختلط بآخره روى له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن ماجه. التقريب ١/ ٣٤٨.
(٣) محمد بن مسلم الزهري الفقيه الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه روى له الستة، وقد استخرج الدكتور سهيل زكار المغازي النبوية للزهري من كتاب المصنف لعبد الرزاق وصار بين أيدينا إضافة إلى مغازي عروة بن الزبير ﵄. مغازي الزهري في الربع الأول من القرن الثاني وقبل السيرة لابن إسحاق علما بأن الزهري استقى معظم معلوماته عن السيرة من عروة بن الزبير ﵄. تقريب التهذيب ٢/ ٢٠٧.
(٤) عاصم بن عمر بن قتادة ثقة عالم بالمغازي روى له الستة. تقريب التهذيب ١/ ٣٨٥.
(٥) عبد الله بن أبي بكر بن حزم ثقة من الخامسة روى له الستة. تقريب التهذيب ١/ ٤٠٥.
(٦) موسى بن عقبة بن أبي عياش ثقة فقيه إمام في المغازي روى له الستة. التقريب ٢/ ٢٨٦.
(٧) معمر بن راشد ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابث والأعمش وهشام بن عروة شيئا وكذا فيما حدث به في البصرة روى له الستة. التقريب ٢/ ٢٦٦.
[ ٢١ ]
سنة ١٥٠ هـ، ثم شيخ رجال السيرة محمد بن إسحاق (١) المتوفى سنة ١٥٢ هـ.
وجاء بعد هوتاء غيرهم، نذكر منهم زيادا البكائي (٢) المتوفى سنة ١٨٣ هـ، والواقدي (٣) صاحب المغازي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ، ومحمد بن سعد (٤) صاحب الطبقات الكبرى المتوفي سنة ٢٣٠ هـ، وقبل أن تستأثر المنية بابن سعد عدت على ابن هشام في سنة ٢١٨ وابن هشام هو الرجل الذي انتهت إليه سيرة ابن إسحاق فعرفت أو شاع ذكره بها) (٥).