وذلك لأن الذين يداهنون وينافقون يسقطون وتسقط دعوتهم معهم، ولا يلقون عند الناس إلا الاستخفاف، حتى عند خصومهم الذين يحاربونهم ليفتنوهم عن دينهم فحين يفتنون ويسيرون في ركاب الطغاة، يصبحون في حس هؤلاء الطغاة عبيدا أذلاء، لا يمكن أبدا أن يتأثروا بهم. أو يسمعوا إليهم، بينما يكبر فى عين الناس أولئك المجاهدون الذين يضحون بأرواحهم وحياتهم وأموالهم في سبيل دعوتهم، ويرتفعون هم ودعوتهم في قلوب الناس: الأصدقاء والخصوم، ويبحث الناس عن سر هذه الدعوة التي جعلت هؤلاء الناس يضحون بحياتهم في سبيلها.
(فعن المغيرة بن شعبة قال: أول يوم عرفت رسول الله (ص) أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله (ص) فقال رسول الله (ص) لأبي جهل: «يا أبا الحكم! هلم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله» فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك، فانصرف رسول الله (ص)، وأقبل علي فقال: والله إني لأعلم أن ما يقوله حق، ولكن يمنعني شيء، إن بني قصي قالوا فينا الحجابة، فقلنا: نعم، ثم قالوا فينا السقاية، فقلنا نعم، ثم قالوا: فينا
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٣٤٤.
[ ١٩١ ]
الندوة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم. ثم أطعموا فأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي والله لا أفعل) (١).
وعن أبي سفيان بن حرب ﵁ قال فيما رواه عن قيصر:
( وسألتك أشرف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ..
فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين ..
فقلت لأحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملوك بني الأصفر، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام (٢).