فصبر المؤمنين على الابتلاء دعوة صامتة لهذا الدين وهي التي تدخل الناس في دين الله، ولو وهنوا أو استكانوا لما استجاب لهم أحد. لقد كان
_________________
(١) البداية والنهاية لابن كثير ٧١/ ٣، (ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس؛ حدثنا أحمد، حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة قال) ثم ذكر الحديث. انظر دلائل النبوة ٢٠٧/ ٢.
(٢) البخاري ك. الإيمان ج ١ ص ٦.
[ ١٩٢ ]
الفرد الواحد يأتي إلى النبي (ص) فيسلم، ثم يأتيه أمر النبي (ص) أن يمضي إلى قومه، يدعوهم، ويصبر على تكذيهم وأذاهم، ويتابع طريقه حتى يعود بقومه إلى رسول الله (ص).
(فعن عبد الواحد بن أبي عون الدوسي قال:
كان الطفيل بن عمرو الدوسي رجلا شريفا شاعرا مليئا كثير الضيافة.
فقدم مكة ورسول الله (ص) بها، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته، إنا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا لا أكلمه، فغدوت إلى المسجد، وقد حشوت أذني كرسفا (يعني قطنا) فرقا (١) من أن يبلغني شيء من قوله .. فغدوت يوما إلى المسجد فإذا رسول الله (ص) قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريبا منه فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحاء تركته .. فمكثت حتى انصرف إلى بيته ثم اتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت معه فقلت: يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا
_________________
(١) فرقا: خوفا.
[ ١٩٣ ]
- للذي قالوا لي - فوالله ماتركوني يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك. ثم إن الله أبى إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك. فعرض عليه رسول الله (ص) الإسلام وتلا عليه القرآن. فقال: لا والله ما سمعت قولا قط أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، فقلت: يا نبي الله: إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يكون عونا عليهم فيما أدعوهم إليه
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطاؤوا علي، ثم جئت رسول الله (ص) بمكة فقلت: يا رسول الله قد غلبتني دوس فادع الله عليهم. فقال: «اللهم اهد دوسا وائت بها» فقال لي رسول الله (ص): «اخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم» فخرجت إليهم. فلم أزل بأرض دوس أدعوها حتى هاجر رسول الله (ص)، ومضى بدر وأحد والخندق. ثم قدمت على رسول الله (ص) بمن أسلم من قومي، ورسول الله (ص) بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين بيتا أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا رسول الله (ص) بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين ..) (١).
وعن ابن عباس ﵁ يذكر إسلام أبي نذر قال:
( حتى دخل على النبي (ص) ودخل معه، فسمع من قومه وأسلم مكانه. فقال له النبي (ص): «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري» فقال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ١٧٦/ ٣.
[ ١٩٤ ]
المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه، فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا إليها فأكب العباس عليه ..) (١). وعن أبي ذر ﵁ قال:
( ثم أتيت رسول الله (ص) فقال: «إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا. فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيمان بن رحضة الغفاري، وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله (ص) المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله (ص) المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله: إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا. فقال رسول الله (ص): «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله») (٢).