قدم وفد من قبائل عضل والقارة على رسول الله ﷺ يذكر أن أخبار الإسلام قد وصلتهم وأنهم بحاجة إلى من يعلمهم شؤون هذا الدين، فبعث الرسول ﷺ نفرا من أصحابه، وفيهم:
مرثد بن أبي مرثد، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت.
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، قال: «فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مئة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق.
فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه، على أن يصحبهم، فلم يفعل فقتلوه.
وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة: فاشترى خبيبا بنو الحارث، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها. قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إليه حتى أتاه، فأجلسه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني، وفي يده الموسى. فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من
[ ١٨٥ ]
قطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق بالحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله. فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أنّ ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سنّ الركعتين قبل القتل. ثم قال:
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله. وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل المظلة من الدّبر، فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء» «٣٤» .
وزاد الطبري فروى عن أبي كريب قال: «حدثنا جعفر بن عون عن إبراهيم بن إسماعيل قال: وأخبرني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوف العيون، فرقيت فيها فحللت خبيبا، فوقع إلى الأرض، فانتبذت غير بعيد، ثم التفتّ فلم أر لخبيب رمّة فكأنما الأرض ابتلعته، فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة» .
قال ابن إسحاق: «وأما زيد، فابتاعه صفوان بن أمية، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان: أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك، نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي! فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا» «٣٥» .