وكان في شهر ربيع الأول، سنة أربع للهجرة.
روى ابن سعد أن رسول الله ﷺ خرج يوم السبت، فصلى في مسجد قباء ومعه نفر من أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم أتى بني النضير، فكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمّري وكان لهما من رسول الله ﷺ جوار وعهد، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف، وذلك على ما رواه ابن إسحاق وغيره، فقالوا: «نفعل يا أبا القاسم ما أحببت. وخلا بعضهم ببعض وهمّوا بالغدر. وقال عمرو بن جحاش النّضري: أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة- وكان رسول الله ﷺ واقفا إلى جنب جدار من بيوتهم-.
وزاد ابن سعد أن سلام بن مشكم (وهو من يهود بني النضير) قال لهم: لا تفعلوا، والله ليخبرنّ بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه «٤١» .
فجاء رسول الله ﷺ الخبر بما همّوا فنهض سريعا كأنه يريد حاجة، وتوجه إلى المدينة.
ولحقه أصحابه، فقالوا: قمت ولم نشعر! .. قال: «همّت يهود بالغدر، فأخبرني الله بذلك فقمت» .
ثم أرسل إليهم رسول الله ﷺ: أن اخرجوا من بلدي فقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه.
فأخذوا يتهيئون للخروج، ولكن عبد الله بن أبي بن سلول أرسل إليهم: أن لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم يقاتلون عنكم. فعادوا عما أزمعوا عليه من الخروج وتحصنوا في حصونهم، فأمر رسول الله ﷺ باعداد العدة لحربهم، والسير إليهم..
_________________
(١) طبقات ابن سعد: ٣/ ٩٩
[ ١٩٠ ]
ثم سار رسول الله ﷺ إليهم، وقد تحصن اليهود بحصونهم معهم النبل والحجارة. ولكن ابن أبيّ خذلهم فلم ينفذ وعده معهم، فحاصرهم النبي ﵊ وأمر بقطع نخيلهم وإتلافها «٤٢» . فنادوه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من يصنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟ وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ [الحشر ٥٩/ ٥] .
فعرضوا على رسول الله ﷺ أن يخرجوا من المدينة كما أراد.. ولكنه ﷺ قال: لا أقبله اليوم إلا على أن تخرجوا بدمائكم فقط وليس لكم من أموالكم إلا ما حملته الإبل، عدا الحلقة (أي السلاح) . فنزل اليهود على ذلك، واحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل. قال ابن هشام:
فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه (أي عتبته) فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، وتفرقوا ما بين خيبر والشام ولم يسلم منهم إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما» «٤٣» .
وقسم رسول الله ﷺ الأموال على المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا اثنين من الأنصار أعطاهما لما ذكر له من فقرهما وهما سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة. وكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله ﷺ. وذكر البلاذري في (فتوح البلدان) أنه كان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخر من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح «٤٤» . ونزل في بني النضير سورة الحشر بأكملها، ونزل تعليقا على سياسته ﷺ في تقسيم أموال بني النضير قوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ، وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الحشر ٥٩/ ٦، ٧] .