في هذا المشهد الذي عرضناه من سيرته ﷺ ثلاث دلالات، كل واحدة منها على جانب كبير من الأهمية.
الدلالة الأولى: وهي توضح لنا في تمحيص دقيق حقيقة الدعوة التي قام بها رسول الله ﷺ، وتفصلها عن كل ما قد يلتبس بها من الأهداف والأغراض التي قد يضمرها في أنفسهم عادة أرباب الدعوات الجديدة والمنادون بالثورة والإصلاح.
هل النبي ﷺ يضمر من وراء دعوته الوصول إلى ملك؟ أو لعله يضمر الوصول إلى مستوى رفيع من الزعامة أو الغنى، أو لعل الأمر لا يعدو خيالات تتراءى له بسبب مرض يعانيه؟
كل هذه الاحتمالات، وسائل قد يتذرع بها محترفو الغزو الفكري وأعداء هذا الدين.. ولكن يا لأسرار الحياة العظيمة التي هيأها رب العالمين لرسوله! .. لقد ملأ الله ﷿ حياة رسوله بالمواقف والمشاهد التي تقطع دابر كل احتمال، وتقطع السبيل إلى كل وسواس، وتدع أرباب الغزو الفكري حيارى في الطريقة التي ينبغي لهم أن يسلكوها في حربهم الفكرية.
كان من جليل حكمة الله تعالى أن يقوم مشركو قريش بسلسلة من المفاوضات مع رسول الله ﷺ، بعد أن صوروا في أنفسهم كل هذه الاحتمالات، وهم أدرى الناس بطبيعة دعوته والغاية البعيدة من رسالته وبأنه لن ينزل عند شيء من مغرياتهم. ولكن هكذا شاءت الإرادة الإلهية حتى ينطق التاريخ بتكذيب كل من سيأتي من محترفي التشكيك والغزو الفكري مع الزمن.
لقد فكر أمثال كريمر وفان فلوتن طويلا.. ثم لم يجدوا من سبيل لأداء مهمة التشكيك والغزو إلا أن يغمضوا أعينهم عن الحقيقة ويزعموا أن دوافع محمد ﵊ في دعوته إنما كانت الرغبة في السيادة والملك، وإن صدموا رؤوسهم في هذا الزعم بصخور عاتية تقذفهم وتردهم إلى الوراء أشواطا.
[ ٨٢ ]
لقد سخر الله من قبلهم عتبة بن ربيعة وأمثاله، لحمل هذه الدوافع والآمال ووضعها بين يدي محمد ﵊ لينالها قريبة سائغة وليبصر قريشا كلها وقد دانت له وألقت من يدها ما رفعته من السلاح ووسائل التعذيب في وجهه ووجه أصحابه، فلماذا لم يلن الرسول لهم، ولم يتحول إلى هذه الغنيمة التي سيقت إليه مادام أنها الدافع له من وراء رسالته ودعوته؟
وهل ينصت طالب الملك والزعامة لمن سعى يعرضهما عليه، في مفاوضة طويلة وتخويف ورجاء وتهديد، ليقول لهم أخيرا: «ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم. ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا.. فإن تقبلوا مني ما جئتكم به، فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردّوه عليّ، أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم»؟!.
ثم إن معيشته الحياتية كانت مطابقة لكلامه هذا، فهو لم يعرض عن الزعامة والملك بلسانه، ليصل إليهما خلسة بسعيه وعمله. بل كان ﷺ بسيطا في مأكله ومشربه، لا يعلو عما عليه حالة الفقراء والمساكين. قالت عائشة فيما يرويه البخاري: «لقد توفي النبي ﷺ وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال عليّ» . ويقول أنس ﵁ فيما يرويه البخاري أيضا: «لم يأكل النبي ﷺ على خوان حتى مات وما أكل خبزا مرققا حتى مات» .
وكان بسيطا للغاية في ملبسه وأثاث بيته، يؤثر في جنبه الحصير وما عرف أنه نام قط على شيء وثير. حتى إن نساءه جئن إليه يوما وفيهن السيدة عائشة ﵂ يشتكين إليه الفاقة ويطالبنه بمزيد من النفقة لزينتهن ولباسهن حتى لا تكون إحداهن أقل شأنا من مثيلاتها من نساء الصحابة، فأطرق مغضبا ولم يجب ثم نزل قول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب ٣٣/ ٢٨، ٢٩]، فتلى رسول الله ﷺ عليهن هاتين الآيتين، ثم خيرهن بين قبول العيش معه على الحالة التي هو فيها، أو الإصرار على مطالبهن من النفقة وزيادة الزينة والمال وحينئذ يفارقهن ويسرحهن سراحا جميلا، فاخترن العيش معه على ما هو عليه «١٠» .
فكيف يشك العقل- أيّ عقل- بعد هذا كله، في صدق نبوته، وكيف يصح أن يتوهم الفكر أو الخيال بأنه قد يكون مدفوعا برغبة الزعامة أو الطمع في الغنى؟ .. فهذه هي الدلالة.
الأولى التي تؤخذ من هذا المشهد الذي ذكرناه.
_________________
(١) رواه البخاري، وانظر تفسير ابن كثير في تفسير هاتين الآيتين.
[ ٨٣ ]
الدلالة الثانية: وهي تبين لنا معنى الحكمة التي كان رسول الله ﷺ يتمسك ويتصف بها.
هل الحكمة أن تضع أنت السياسة التي تراها في سير الدعوة مهما كانت كيفيتها ومهما كان نوعها؟
وهل أعطاك الشارع صلاحية أن تسلك أي سبيل أو وسيلة تراها ما دام هدفك من وراء ذلك هو الحق؟
لا.. إن الشريعة الإسلامية تعبدتنا بالوسائل كما تعبّدتنا بالغايات. فليس لك أن تسلك إلى الغاية التي شرعها الله لك إلا الطريق المعينة التي جعلها الله وسيلة إليها. وللحكمة والسياسة الشرعية معان معتبرة، ولكن في حدود هذه الوسائل المشروعة فقط.
والدليل ما رويناه آنفا، فقد كان من المتصور في باب الحكمة والسياسة أن يرضى رسول الله ﷺ معهم بالزعامة أو الملك على أن يجمع في نفسه اتخاذ الملك والزعامة وسيلة إلى تحقيق دعوة الإسلام فيما بعد، خصوصا وإن للسلطان والملك وازعا قويا في النفوس، وحسبك أن أرباب الدعوات والمذاهب ينتهزون فرصة الاستيلاء على الحكم كي يستعينوا بسلطانه على فرض دعوتهم ومذاهبهم على الناس.
ولكن النبي ﷺ لم يرض سلوك هذه السياسة والوسيلة إلى دعوته، لأن ذلك ينافي مبادئ الدعوة نفسها.
لو جاز أن يكون مثل هذا الأسلوب نوعا من أنواع الحكمة والسياسة الرشيدة، لا نمحى الفرق بين الصادق الصريح في صدقه والكاذب الذي يخادع في كذبه، ولتلاقى الصادقون في دعوتهم مع الدجالين والمشعوذين، على طريق واحدة عريضة اسمها: الحكمة والسياسة.
إن فلسفة هذا الدين تقوم على عماد الشرف والصدق في كل من الوسيلة والغاية. فكما أن الغاية لا يقوّمها إلا الصدق والشرف وكلمة الحق، فكذلك الوسيلة لا ينبغي أن يخطّها إلا مبدأ الصدق والشرف وكلمة الحق.
ومن هنا يحتاج أرباب الدعوة الإسلامية في معظم حالاتهم وظروفهم إلى التضحية والجهاد، لأن السبيل التي يسلكونها لا تسمح لهم بالتعرج كثيرا ذات اليمين وذات الشمال.
ومن الخطأ أن تحسب مبدأ الحكمة في الدعوة إنما شرع من أجل تسهيل عمل الداعي أو من أجل تفادي المآسي والأتعاب، بل السرفي مشروعية الحكمة في الدعوة إنما هو سلوك أقرب الوسائل إلى عقول الناس وأفكارهم. ومعنى هذا أنه إذا اختلفت الأحوال وقامت عثرات الصدّ والعناد دون سبيل الدعوة، فإن الحكمة حينئذ إنما هي إعداد العدة للجهاد والتضحية بالنفس والمال، إن الحكمة إنما هي أن تضع الشيء في مكانه.
وهذا هو الفرق بين الحكمة والمخادعة، وبين الحكمة والمسالمة.
[ ٨٤ ]
وأنت خبير أن رسول الله ﷺ لما استبشر بما رآه مرة من دلائل إقبال بعض زعماء قريش على فهم الدين، انصرف إليهم بكليته مبتهجا يكلمهم ويشرح لهم ما يستفسرون عنه من حقائق الإسلام، حتى دعاه ذلك الاستبشار والطمع في هدايتهم إلى أن يعرض عن الصحابي الضرير عبد الله بن أم مكتوم حينما مرّ بهم فوقف إلى جانبهم يستمع، وأخذ هو الآخر يسأل رسول الله ﷺ، وكان ذلك منه ﵊ حرصا على الفرصة أن لا تفوته وأملا في أن يجيب عبد الله بن أم مكتوم في أي وقت آخر.
فعاتبه الله على ذلك في سورة: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [عبس ٨٠/ ١، ٢]، وأنكر عليه اجتهاده هذا، وإن كانت غايته مشروعة ونبيلة، ذلك لأن الوسيلة قد انطوت على كسر خاطر مسلم أو ما يدل على الإعراض عنه وعدم الالتفات إليه من أجل اجتذاب قلوب المشركين.
فهي ليست بمشروعة ولا مقبولة.
والخلاصة، أنه ليس لأحد من الناس أن يغير شيئا من أحكام الإسلام ومبادئه، أو يتجاوز شيئا من حدوده أو يستهين بها، باسم اتباع الحكمة في النصيحة والدعوة، لأن الحكمة لا تعتبر حكمة إلا إذا كانت مقيدة ومنضبطة ضمن حدود الشريعة ومبادئها وأخلاقها.
الدلالة الثالثة: ونستفيدها من موقف الرسول ﵊ من تلك المطالب التي طلبتها قريش منه ﷺ شرطا لاتباعها له. وهو موقف أيده الله فيه، ففيه- كما ذكر عامة المفسرين- نزل قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا
[الإسراء ١٧/ ٩٠- ٩٣] .
وليس السبب في عدم استجابة الله لهم ذلك، ما قد يظنه البعض من أن الرسول ﷺ ما أوتي من المعجزات إلا معجزة القرآن، ولذلك لم تستجب لهم مطالبهم، وإنما السبب أن الله ﷿ علم أنهم إنما يطالبون بذلك كفرا وعنادا وإمعانا في الاستهزاء بالنبي ﷺ، كما هو واضح في أسلوب طلبهم ونوع المطالب التي عرضوها. ولو علم الله ﷿ فيهم صدق الطلب وحسن النية وأنهم مقبلون في ذلك على محاولة التأكد من صدق النبي ﵊، لحقق لهم ذلك. ولكن أمر قريش في ذلك مطابق لما وصفه الله تعالى في آية أخرى وهي قوله: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر ١٥/ ١٤، ١٥]، وإذا علمت ذلك، أدركت أنه لا تنافي بين هذا وما ثبت من إكرام الله لنبيه ﵊ بالمعجزات الكثيرة المختلفة مما سنفصل القول فيه قريبا إن شاء الله.
[ ٨٥ ]