هذه القطعة الظالمة، تصور قمة الشدة التي لقيها النبي ﷺ وأصحابه طوال ثلاثة أعوام.
وقد رأيت أن المشركين من بني هاشم وبني المطلب، شاركوا المسلمين في تحملها، ولم يرضوا أن يتخلوا عن رسول الله ﷺ.
وليس لنا من حديث عن هؤلاء المشركين وسبب موقفهم هذا، فقد كان الذي دفعهم إليه حمية القرابة والرحم، وإباء الذل الذي كان يتلبس بهم لو أنهم خلوا بين محمد ﷺ ومشركي قريش من غير بني هاشم وبني المطلب يقتلونه ويفتكون به، بقطع النظر عن العقيدة والدين.
فقد آثروا إذن أن يجمعوا بين رغبتين في صدورهم:
الأولى: الثبات على الشرك والاستكبار على الحق الذي جاءهم به محمد ﷺ.
الثانية: الانصياع للحمية التي تدعو إلى حماية القريب من بطشة الغريب وظلمه، بحق كان أو بباطل.
أما المسلمون، وعلى رأسهم رسول الله ﷺ، فإنما صبّرهم على ذلك الانصياع لأمر الله وإيثار الآخرة على الدنيا، وهوان الدنيا عندهم في جنب مرضاة الله ﷿، وهذا ما يهمنا أن نبحث فيه.
[ ٨٧ ]
قد تسمع بعض المبطلين من محترفي الغزو الفكري، يقولون:
«إن عصبية بني هاشم وبني المطلب، كانت تكمن خلف دعوة محمد ﷺ وكانت تحوطها بالرعاية والحفظ! .. والدليل على ذلك موقفهم السلبي من مشركي قريش في مقاطعتهم للمسلمين» .
وإنها لمغالطة مكشوفة، لا يتماسك عليها حجاب أي منطق ولو كان صوريا.
ذلك لأن من الطبيعي جدا أن تقود الحمية الجاهلية بني المطلب وبني هاشم إلى الذود عن حياة ابن عم لهم، عندما تتهددها يد غريبة ويدنو إليها بالسوء شخص دخيل.
والحمية الجاهلية، إذ تدفع ذوي القرابة إلى مثل هذا التعصب، لا تنظر إلى مبدأ، ولا تتأثر في ذلك بحق أو بباطل، وإنما هي العصبية ولا شيء غير العصبية.
ولذلك أمكن أن يجتمع في ذوي قرباه ﷺ صفتان متناقضتان بحسب الظاهر، الاستكبار على دعوته والجحود بها، والانتصار له ضدّ سائر المشركين من قريش.
ومع ذلك، فأي فائدة حققوها للنبي ﷺ من وراء اعتصامهم معه؟ لقد أوذوا كما أوذي هو وأصحابه، ومضت قريش في قطيعتها للمسلمين بالضراوة والشراسة اللتين أرادتهما دون أن يخفف بنو هاشم وبنو المطلب من غلوائهما شيئا.
والمهم أن تعلم بأن حماية أقارب رسول الله ﷺ له، لم تكن حماية للرسالة التي بعث بها، وإنما كانت حماية لشخصه من الغريب، وإذا أمكن أن تستغلّ هذه الحماية، من قبل المسلمين، وسيلة من وسائل الجهاد والتغلب على الكافرين والرد لمكائدهم وعدوانهم، فأنعم بذلك من جهد مشكور، وسبيل يتنبهون إليها.
*** أما رسول الله ﷺ، ومعه أصحابه المؤمنون، فما الذي كان يمسكهم على هذا الضيق الخانق؟ .. وأي غاية كانوا يتأملونها من وراء الثبات على الشدة؟ ..
بماذا يجيب على هذا السؤال، أولئك الذين يتأولون رسالة محمد ﷺ وإيمان أصحابه بها على أنها ثورة يسار ضدّ يمين أي ثورة الفقراء المضطهدين ضدّ الأغنياء المترفين؟
تصور هذه السلسلة التي استعرضناها، من حلقات الإيذاء والتعذيب، لرسول الله ﷺ والمسلمين، ثم أجب على ضوئها، كيف يستقيم أن تكون دعوة الإسلام ثورة اقتصادية ألهبها الجوع وقادها الحقد على تجار مكة وأرباب الفعاليات الاقتصادية فيها؟ ..
لقد عرض المشركون على محمد ﷺ الملك والثراء والزعامة، على أن يتخلى عن الدعوة إلى الإسلام، فلماذا لم يرض ﵊ بذلك؟ ولماذا لم يثر عليه أصحابه ولم يضغطوا عليه
[ ٨٨ ]
- وإن غايتهم الشبع بعد الجوع- كي يقبل بعرض قريش؟ وهل يطمع أصحاب الثورة اليسارية بشيء أكثر من الحكم يكون في أيديهم والمال يكون في جيوبهم؟
ولقد قوطع محمد ﷺ ومعه أصحابه المسلمون عن سبيل كل معايشة اقتصادية واجتماعية مع بني قومه، فلم تترك سلعة تتسلل إلى أيديهم، ولم يترك طعام يدخل إلى بيوتهم، حتى راحوا يأكلون ورق الشجر، وهم على ذلك صابرون، محدقون برسولهم ﵊. أفهكذا يصنع من تعتلج وراء صدره الثورة من أجل لقمة العيش؟! ..
وعندما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وهاجر إليها من قبله ومن بعده أصحابه، تركوا المال والأرض والممتلكات المختلفة واستقبلوا بوجوههم شطر المدينة المنورة، وقد تجردوا عن كل ما يتعلق به الطامعون في المال، لا يبتغون عن إيمانهم بالله بديلا، ولا يقيمون وزنا لدنيا فاتتهم ولملك أدبر عنهم، أفهذا هو الدليل على أنها ثورة يسارية قامت من أجل لقمة طعام؟! ..
قد يكون دليل هؤلاء الناس على ما يتصورون، ملاحظة الأمرين التاليين:
الأول: أن الجماعة الأولى من أصحاب محمد ﷺ في مكة، كانت على الأغلب من الفقراء والموالي والمضطهدين، وهو يدل على أنهم ينفّسون باتباعهم محمدا ﷺ عن شيء من كربهم، وأنهم كانوا يتأملون مستقبلا اقتصاديا أفضل لأنفسهم في ظل الدين الجديد.
الثاني: أن هؤلاء الأصحاب، ما لبثوا بعد حين أن فتحت عليهم آفاق الدنيا، وأقبل إليهم الثراء والمال، وهو دليل على أن خطة الرسول ﷺ كانت ترمي إلى تحقيق هذه الغاية.
وأنت إذا تأملت في استدلالهم على ما يتصورونه، بهاتين الملاحظتين، أدركت كم هو نصيب الخيال والوهم من عقولهم ومنهج تفكيرهم.
أمّا أن الجماعة الأولى من أصحابه ﷺ كانت على الأغلب من الفقراء والموالي، فنعم، ولكن ليس بين هذه الحقيقة وذلك الوهم أي علاقة أو نسب. إن شريعة تقضي بإرساء ميزان العدالة بين الناس، وبالضرب على يد كل ظالم وطاغية ومستكبر، من المسلم به أن يعرض عنها بل أن يحاربها أولئك الذين استمرؤوا حياة البغي والظلم، لأنها تحملهم المغارم أكثر من أن تقدم إليهم المغانم، كما أن من المسلم به أن يرحب بها كل مستضعف مظلوم، بل كل إنسان ليس له في تجارة البغي والاستغلال نصيب؛ لأنها تقدم لهم المغانم أكثر من أن تحملهم المغارم، أو لأنهم- على أقل تقدير- ليست لهم مع الناس مشكلات تجعلهم يستثقلون تبعاتها وتكاليفها.
إن معظم من كان حول رسول الله ﷺ، كان مستيقنا أنه على حق وأنه نبي مرسل، ولكن أرباب الزعامة وعشاق العظمة والسيطرة، وجدوا من طبيعتهم وظروفهم ما أصبح عائقا لهم عن
[ ٨٩ ]
الاستسلام لهذا الحق والتفاعل معه، أما الآخرون فلم يجدوا ما يعوقهم عن الاستسلام لشيء آمنوا به واستيقنوه.
فما العلاقة بين هذه الحقيقة التي يفهمها كل باحث، وما يزعمه أولئك الزاعمون؟
وأما أن خطة الدعوة الإسلامية التي سلكها رسول الله ﷺ كانت تهدف إلى امتلاك المسلمين لمنابع الثروة واستيلاءهم على عروش الملوك واستلاب السيادة منهم، - بدليل أن المسلمين قد وصلوا فعلا إلى ذلك- فإنه والله أشبه بمحاولة الجمع بين المشرق والمغرب؟ ..
إذا كان المسلمون قد تمكنوا من فتح بلاد الروم وفارس، في حقبة يسيرة من الزمن، بعد أن صدقوا الله في إسلامهم، أفيكون ذلك دليلا على أنهم ما أسلموا إلا طمعا بعرش الروم والفرس؟!.
لو أنهم أرادوا من وراء إسلامهم الوصول إلى شهوة من شهوات الدنيا أيا كانت، لما تحقق لهم ولا الجزء اليسير من معجزة ذلك الفتح.
لو كان عمر وهو يجهز جيش القادسية ويودع قائده سعد بن أبي وقاص، يطمع في كنوز كسرى، ويسيل لعابه رغبة في أن يتقلب في مثل نعيمه ويجلس على مثل عرشه، لما عاد إليه سعد إلّا بأثقال من الخيبة والهوان، ولكنهم صدقوا الله في الجهاد من أجل نصرة دينه، فصدقهم فيما أكرمهم به من تمليكهم زمام الحكم وإغنائهم بما لم يكونوا يحلمون.
لو كان الحلم الذي يراود المسلمين في معركة القادسية، وصولا إلى ثروة وتقلبا في نعيم وتحقيقا للذائذ العيش، إذن لما دخل ربعي بن عامر ﵁ سرادق رستم مزدريا مظاهر الترف التي غمس فيها السرادق غمسا يتوكأ بزج رمحه على البسط والنمارق الفاخرة حتى أفسدها، ولما قال لرستم: «إن دخلتم الإسلام تركناكم وأرضكم وأموالكم» ! .. أهكذا يقول من جاء ليستلب الملك والأرض والمال؟
لقد أكرمهم الله بمقدرات الدنيا كلها، لأنهم لم يكونوا يفكرون فيها، وإنما كان تفكيرهم منصرفا إلى تحقيق مرضاة الله.
ولو كانوا يهدفون من جهادهم إلى هذه المقدرات لما وصلوا إلى شيء منها.
المسألة بما فيها ليست إلا تحقيقا للقانون الإلهي الذي يقول:
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص ٢٨/ ٥] .
وإن تفهم هذا القانون لأيسر ما يكون على العقل أي عقل كان، بشرط واحد، هو أن يكون صاحبه حرا عن العبودية لأي رغبة أو غرض.
[ ٩٠ ]