يجب أن يسترعي انتباهنا من خبر هذا الوفد أمران اثنان:
أولا: في قدوم هذا الوفد إلى مكة للقاء رسول الله ﷺ والتعرف على الإسلام، في غمرة ما كان المسلمون يعانونه من عذاب وإيذاء ومقاطعة وتضييق، دلالة باهرة على أن ما قد يلاقيه أرباب الدعوة الإسلامية في طريقهم من الآلام والمصائب لا يعني بحال ما الخيبة أو الإخفاق، ولا يستلزم الضعف أو التخاذل أو اليأس. بل العذاب كما قلنا طريق لابد من سلوكها للوصول إلى النجاح والنصر. لقد جاء هذا الوفد، وكانوا يزيدون على ثلاثين رجلا من النصارى، وقيل بل كانوا يزيدون على أربعين رجلا، جاؤوا يمخرون عباب البحر إلى رسول الله ﷺ، ليعلنوا الولاء للدعوة الجديدة، وليعلنوا بلسان الحال أن أعداء الدعوة الإسلامية لن يستطيعوا- مهما ضيقوا عليها ومهما عذبوا وآذوا أربابها ومهما قاطعوهم وائتمروا بهم- أن يمنعوها من أن تؤتي ثمارها أو أن يحبسوها عن الانتشار في مشارق الأرض ومغاربها.
وكأنما قد علم أبو جهل بهذه الحقيقة فتجلت آثارها على نفسه ولسانه في الكلمات الحاقدة التي واجه بها أفراد ذاك الوفد. ولكن ما عساه يصنع؟ إن كل ما يستطيع هو وأمثاله أن يصنعوه،
_________________
(١) رواه ابن إسحاق ومقاتل، والطبراني عن سعيد بن جبير. وانظر ابن كثير والقرطبي والنيسابوري عند تفسير هاتين الآيتين.
[ ٩٥ ]
إنزال مزيد من التعذيب والإيذاء بالمسلمين. أما أن لا تبلغ الدعوة مداها وأن لا تؤتي ثمارها، فليس له إلى ذلك من سبيل.
ثانيا: ما هي نوعية الإيمان الذي آمنه أفراد هذا الوفد؟ هل هو إيمان من يخرج من ظلمات الكفر إلى النور؟
الواقع أن إيمانهم كان مجرد استمرار لإيمانهم السابق، ومجرد سلوك بمقتضى ما كانوا يتمسكون به من عقيدة ودين. فقد كانوا (على حد تعبير رواة السيرة) أهل إنجيل يؤمنون به، ويسيرون على هديه. ولما كان الإنجيل يأمر باتباع الرسول الذي يأتي من بعد عيسى ﵇ ويتحدث عن صفاته ومميزاته، فقد كان من مقتضى استمرار إيمانهم، الإيمان بهذا النبي وهو محمد ﵊.
وإذن فإن إيمانهم به ﵊ لم يكن عملية انتقال من دين إلى دين بسبب تفضيل أحدهما على الآخر، وإنما كان استمرارا لحقيقة الإيمان بعيسى ﵇ وما أنزل إليه.
وهذا هو معنى قولهم فيما تحكيه عنهم الآية الشريفة: وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص ٢٨/ ٥٣] أي إنا كنا مسلمين ومؤمنين بهذا الذي يدعو إليه محمد ﷺ، من قبل بعثته، لأنه مما يدعو الإنجيل إلى الإيمان به.
وهذا هو شأن كل من تمسك تمسكا حقيقيا بما جاء به عيسى ﵊ أو بما جاء به موسى ﵊ إذ الإيمان بالإنجيل والتوراة يستدعي الإيمان بالقرآن ومحمد ﵊. ولذلك أمر الله رسوله أن يكتفي من دعوة أهل الكتاب إلى الإسلام بمجرد مطالبتهم بتطبيق ما في التوراة أو الإنجيل الذي يدّعون الإيمان به، فقال ﷻ: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [المائدة ٥/ ٦٨] .
وهذا يقتضي تأكيد ما بينّاه من أن الدين الحق واحد لم يتعدد، منذ خلق آدم ﵇ إلى بعثة نبينا محمد ﵌، وأن كلمة (الأديان السماوية) التي يستعملها بعض الناس، كلمة لا معنى لها.
نعم، هناك شرائع سماوية متعددة وكل شريعة سماوية ناسخة للشريعة التي قبلها. ولكن ينبغي أن لا نخلط بين (الدين) الذي يطلق أوّل ما يطلق على العقيدة و(الشريعة) التي تطلق على الأحكام السلوكية المتعلقة بالعبادات أو المعاملات.
[ ٩٦ ]