في هاتين الحادثتين المؤثرتين دلالات هامة نجملها فيما يلي:
أولا: يدل كل من حادثة الرجيع وبئر معونة على اشتراك المسلمين كلهم في مسؤولية الدعوة إلى الإسلام وتبصير الناس بحقيقته وأحكامه. فليس أمر الدعوة موكولا إلى الأنبياء والرسل وحدهم أو إلى خلفائهم والعلماء دون غيرهم.
وإنك لتستشعر مدى أهمية القيام بواجب هذه الدعوة، من إرسال النبي ﷺ أولئك القراء الذين بلغت عدتهم سبعين شابا من خيرة أصحابه ﷺ، ولما يمض أمد طويل على مقتل أولئك النفر الستة الذين كان قد بعثهم في ذلك السبيل نفسه.. ولقد استشعر الخوف عليهم، وذكر ذلك لعامر بن مالك عندما اقترح عليه إرسال وفد لدعوة الناس إلى الدين ولكنه كان يرى أن القيام بأعباء التبليغ أهم من كل شيء، ولئن لم يمكن تحمل مسؤولية الدعوة والنهوض بها إلا بمثل هذه المغامرة وقبول ما قد ينتج عنها، فلتكن المغامرة، وليكن ما أراد الله تعالى في سبيل القيام بأمره وتبليغ دعوته.
_________________
(١) البخاري: ٥/ ٤٣
(٢) انظر سيرة ابن هشام: ٢/ ١٧٣، وخبر قنوت الرسول ﷺ ودعائه على قبائل سليم رواه البخاري ومسلم.
[ ١٨٧ ]
ثانيا: كنا قد قلنا في القسم الأول من هذا الكتاب، إنه لا يجوز للمسلم المقام في دار الكفر أو الحرب إن لم يمكنه إظهار دينه، ويكره له ذلك إن أمكنه إظهار دينه، والذي يدل عليه هذا المشهد من سيرته ﷺ أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان مقام المسلم في دار الكفر ابتغاء القيام بواجب الدعوة الإسلامية هناك، فذلك من أنواع الجهاد الذي تتعلق مسؤوليته بالمسلمين كلهم على أساس فرض الكفاية الذي إن قام به البعض قياما تاما سقطت المسؤولية عن الباقين، وإلا اشتركوا كلهم في المأثم «٣٨» .
ثالثا: إذا تجاوزنا ما ينطوي عليه كل من حادثتي الرجيع وبئر معونة من دلالة واضحة على مدى ما كانت تفيض به أفئدة المشركين من غل وحقد على المؤمنين، حتى إنهم ارتضوا لأنفسهم أحط مظاهر الخيانة والغدر ابتغاء إطفاء غليل أحقادهم على المسلمين- أقول إذا تجاوزنا ذلك- وقفنا على صورة رائعة لعكس هذه الطبيعة تماما لدى أولئك المسلمين الذين راحوا ضحية تلك الخيانة والأحقاد. فقد رأيت كيف حبس خبيب ﵁ أسيرا في بيت بني الحارث في انتظار ساعة قتله، وكان قد استعار شفرة ليصلح بها شأنه ويتطهر استعداد للموت، وفي البيت طفل صغير راح يدرج نحوه في غفلة من أمه، ولقد كانت هذه اللحظة، في حساب من يتعلق بالحياة ويفكر في الانتقام، فرصة رائعة لمساومة أو غدر في مقابل غدر. ولقد كان هذا هو حساب أهل البيت كلهم، فما إن انتبهت أم الطفل إلى انصرافه نحو خبيب حتى هبت مذعورة لتخلصه من براثن موت مؤكد! .. ولكنها وقفت مندهشة عندما رأت طفلها وقد أجلسه خبيب في حجره يلاطفه كأنه أب شفوق! .. ونظر إليها وقد ألّم بما في نفسها من الخوف، وقال لها في هدوء المؤمن الحليم: «أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله» .
فانظر إلى معجزة التربية الإسلامية للإنسان!. خبيب هذا، وأولئك المشركون الحاقدون الذين راحوا يصنعون له الموت ظلما وعدوانا، عرب أنبتتهم أرض واحدة وأظلتهم طبائع وتقاليد واحدة، ولكن خبيبا اعتنق الإسلام فأخرجه الإسلام إنسانا آخر، وأولئك عكفوا على ضلالاتهم، فحبستهم ضلالاتهم في طبائعهم المتوحشة الغادرة، فما أعظم ما يفعله الإسلام في الطبيعة الإنسانية من تغيير وتحويل! ..
رابعا: يستدل مما سبق أن للأسير في يد العدو أن يمتنع من قبول الأمان، ولا يمكّن من نفسه ولو قتل، ترفعا عن أن يجري عليه حكم كافر، كما فعل عاصم.
فإن أراد الترخص، فله أن يستأمن، مترقبا الفرصة مؤملا الخلاص كما فعل خبيب وزيد.
_________________
(١) راجع مغني المحتاج: ٤/ ٢٣٩
[ ١٨٨ ]
ولكن لو قدر الأسير على الهرب لزمه ذلك في الأصح، وإن أمكنه إظهار دينه بينهم، لآن الأسير في يد الكفار مقهور مهان، فكان من الواجب عليه تخليص نفسه من هوان الأسر ورقه «٣٩» .
خامسا: إذا تأملنا في جواب زيد بن الدثنة لأبي سفيان، قبيل قتله، علمنا مدى المحبة التي كانت تنطوي عليها أفئدة الصحابة لرسولهم ﷺ، ولا ريب أن هذه المحبة من أهم الأسباب التي حببت إلى قلوبهم كل تضحية وبذل في سبيل دين الله تعالى والدفاع عن رسوله. ومهما بلغ المسلم في إيمانه، فإنه بدون مثل هذه المحبة لرسول الله ﷺ يعتبر ناقص الإيمان. وإنها لحقيقة صرح بها رسول الله ﷺ إذ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» «٤٠» .
سادسا: دلّ ما ذكرناه من أمر خبيب أيام كان أسيرا في مكة، أن كل ما أمكن أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، مع فارق أساسي لا بدّ منه، وهو أن معجزة النبي تكون مقرونة بالتحدي ودعوى النبوة، أما كرامة الأولياء والصالحين فتأتي عفوا دون أن تقترن بأي نوع من التحدي. وهذا ما جرى عليه جمهور أهل السنة والجماعة. ولا أدلّ عليه من هذا الذي أكرم الله به خبيبا قبيل قتله، وهو ثابت كما رأيت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره.
سابعا: قد يتساءل البعض: فما الحكمة في تمكين يد الغدر من هؤلاء الفتية المؤمنين الذين لم يخرجوا إلا استجابة لأمر الله ورسوله؟ وهلّا مكّنهم الله من أعدائهم ليتغلبوا عليهم؟ ..
والجواب هو، ما كنا ذكرناه أكثر من مرة، من أن الله تعالى تعبّد عباده بتحقيق أمرين اثنين: إقامة المجتمع الإسلامي، والسعي إلى ذلك في طريق شائكة غير معبّدة. والحكمة من ذلك أن تتحقق عبودية الإنسان لله تعالى، وأن يمحّص الصادقون عن المنافقين، وأن يتخذ الله منهم شهداء، وأن يتجلّى المعنى التنفيذي للمبايعة التي جرت بين الله وعباده المؤمنين، والتي صرح بها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ.. [التوبة ٩/ ١١١] وأي معنى كان يبقى للتوقيع على صك هذه المعاهدة، لو أن كل ما جاء في مضمونها وهم لا يتحقق؟! بل وأي قيمة تبقى حينئذ لهذا التوقيع حتى يحرز به صاحبه الجنة والسعادة الأبدية الخالدة.
والمشكلة في أساسها، إنما تطوف في رأس من قدر هذه الحياة العاجلة أكثر من قدرها الحقيقي وأولاها أكثر مما تستحق من الاهتمام، وضعف تعلقه في المقابل بالحياة الآخرة وشأنها. وتلك هي
_________________
(١) انظر نهاية المحتاج للرملي: ٨/ ٧٨
(٢) متفق عليه.
[ ١٨٩ ]
آية عدم الإيمان بالله تعالى أو ضعفه في النفس. ومثل هؤلاء الناس لا ينتظر منهم أن يغامروا بروح ولا مال. أما المؤمنون حقا فالمشكلة غير متصوّرة لديهم من أساسها، فلذّة الحياة الدنيا في يقينهم، أقل شأنا من أن تحبس المسلم عن أداء أصغر طاعة يتقرب بها إلى خالقه، وما التضحية بالروح في يقينهم إلا الانطلاقة من سجن الدنيا إلى نعيم الآخرة، وأنعم بها من غاية هي كل أمل المسلم في حياته التي يعيشها.
وهذا الشعور يتجلى بأوضح صورة في الأبيات التي قالها خبيب عند مقتله، خاصة في آخر بيت منها، وهو قوله:
ولست بمبد للعدو تخشعا ولا جزعا، إني إلى الله مرجعي