وهذه صورة ثانية من طبيعة الغدر والخيانة المتأصلة في نفوس اليهود، وقد رأينا من قبلها صورة أخرى من خيانتهم فيما أقدم عليه يهود بني قينقاع. وتلك حقيقة تاريخية صدقتها الوقائع التي لا تحصى، وذلك هو سر اللعنة الإلهية التي حاقت بهم وسجلها بيان الله تعالى في قوله: لُعِنَ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) انظر طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وتفسير ابن كثير عند تفسير سورة الحشر.
(٣) عيون الأثر: ٢/ ٥١
[ ١٩١ ]
الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ، عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة ٥/ ٧٨] .
ثم إن في هذه الواقعة لدروسا بليغة، ودلالات هامة تتعلق بكثير من أحكام الشريعة الإسلامية، نذكر منها ما يلي:
أولا: الخبر الذي جاء من الله تعالى إلى رسول الله ﷺ بكشف ما بيّته اليهود من الغدر به، يعدّ واحدة من الخوارق الكثيرة التي أكرم الله بها رسوله ﷺ قبل بعثته وأثناءها، وهي مما ينبغي أن يسترعي انتباهنا ليحملنا على مزيد من الإيمان بنبوته ورسالته، والاقتناع بأن شخصيته النبوية تعتبر الأساس الأول لوجوده وصفاته الشخصية الأخرى.
وقد عبر بعض الكاتبين في السيرة وفقهها عن هذا الخبر الإلهي الذي نزل على الرسول ﷺ بفضح نوايا اليهود- عبر عن ذلك بأنه ألهم ما يبيته اليهود له-! وكلمة الإلهام تدل على معنى مشترك بين الناس كلهم فحاسّة الإلهام- عن طريق الإشارات والقرائن- حاسة طبيعية لا تختص بها فئة من الناس دون غيرهم. وكلمة (الخبر الإلهي) كما يستعملها علماء السيرة رحمهم الله تعالى، إنما تدل على معنى هو من سمات النبوة وخصوصياتها، ونحن نعلم أن هذا المعنى دون غيره هو الذي جعل النبي ﷺ يحس بالمكر، فهو الوفاء من الله تعالى بوعده القاطع لرسوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٥/ ٦٧] .
وإذا كان الأمر كذلك، ففيم التمويه في التعبير؟ .. أما إن هذا ليس إلا مظهرا من مظاهر إنكار معجزاته ﷺ. وقد علمت فيما مضى أن مصدر إنكار معجزاته ﵊- بعد ثبوتها بالقطع المتواتر- ليس إلا مظهر ضعف في الإيمان بنبوته ﵊.
ثانيا: قطع نخيل بني النضير وإحراقها، ثبت بالاتفاق. والذي أتلفه الرسول ﷺ من ذلك إنما هو البعض ثم ترك الباقي. وقد نزل القرآن تصويبا لما أقدم عليه النبي ﷺ من ذلك:
قطعا وإبقاء، وذلك في قوله تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ [الحشر ٥٩/ ٥] .
وقد استدل عامة العلماء بذلك، على أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإتلافها منوط بما يراه الإمام أو القائد من مصلحة النكاية بأعدائهم، فالمسألة إذن من قبيل ما يدخل تحت اسم السياسة الشرعية. قال العلماء: وإنما كان قصد الرسول ﷺ بتصرفه هذا في النخيل- قطعا أو كفا- تحقيق المصلحة وتلمس السبيل إليها، إرشادا وتعليما للأئمة من بعده.
وبهذا أيضا علل الشافعي ﵀، أمر أبي بكر ﵁ بالإحراق والقطع، حينما أرسل خالدا إلى طليحة وبني تميم، مع أنه نهى هو نفسه عن ذلك في حروب الشام. ويقول ﵀ في هذا: «ولعل أمر أبي بكر بأن يكفوا عن أن يقطعوا شجرا مثمرا، إنما هو لأنه سمع
[ ١٩٢ ]
رسول الله ﷺ يخبر أن بلاد الشام تفتح على المسلمين، فلما كان مباحا له أن يقطع ويترك، اختار الترك نظرا للمسلمين» «٤٥» .
وهذا الذي قلناه من إباحة قطع شجر الكفار وإحراقه إذا اقتضت المصلحة هو مذهب نافع مولى ابن عمر ومالك والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء.
وروي عن الليث بن سعد وأبي ثور والأوزاعي القول بعدم جوازه «٤٦» .
ثالثا: اتّفق الأئمة على أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال (وهو الفيء) يعود النظر والتصرف فيه إلى ما يراه الإمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، مستدلين على ذلك بسياسته ﷺ في تقسيم فيء بني النضير، فقد خص به- كما رأيت- المهاجرين وحدهم، وقد نزل القرآن تصويبا لذلك، في الآيتين اللتين ذكرناهما.
ثم اختلفوا في الأراضي التي غنمها المسلمون بواسطة الحرب: فذهب مالك إلى أن الأرض لا تقسم مطلقا، وإنما يكون خراجها وقفا لمصالح المسلمين إلا أن يرى الإمام أن المصلحة تقضي القسمة فإن له ذلك، ويذهب الحنفية قريبا من هذا المذهب.
أما الشافعي فذهب إلى أن الأرض المأخوذة عنوة تجب قسمتها كما تجب قسمة غيرها من الغنائم، وهو الظاهر من مذهب الإمام أحمد أيضا.
ودليل ما ذهب إليه الشافعي، أن تصرف النبي ﷺ بأموال بني النضير، على خلاف ما تقتضيه القسمة بين الغانمين في الحرب، إنما كان بسبب عدم وجود أي قتال تسبّب عنه الحصول على تلك الغنائم. وقد نصت الآية على ذلك في معرض تعليل حكمه ﷺ، في فيء بني النضير، وهي قوله تعالى: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ [الحشر ٥٩/ ٦] وإذا كان هذا هو مناط جواز عدم القسمة لأراضي الفيء فمن الواضح أنه إذا ارتفع مناط الحكم، ارتفع الحكم معه، وعاد الحكم المنصوص عليه في حق الغنائم، سواء في ذلك الأراضي وغيرها.
ودليل ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة أمور كثيرة، من أهمها عمل عمر ﵁ حينما امتنع عن تقسيم سواد العراق، وجعلها وقفا يجري خراجها ريعا للمسلمين وليس المجال هنا متسعا لأكثر من هذا العرض المجمل في الموضوع.
إنما الذي ينبغي أن ننتبه إليه من هذا البحث هنا، هو التعليل الذي ذكره الله تعالى في
_________________
(١) الأم: ٧/ ٣٢٤ وانظر في هذا الموضوع: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية- للمؤلف ١٧٠- ١٧١
(٢) انظر شرح النووي على صحيح مسلم: ١٢/ ٥٠
[ ١٩٣ ]
الآيتين اللتين أوضحتا سياسته ﵊ في تقسيم فيء بني النضير إذ اختص به أناسا دون آخرين. فقد ذكر الله تعالى في تعليل ذلك قوله: كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ أي كي لا يكون تداول المال محصورا فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط.
والتعليل بهذه الغاية يؤذن بأن سياسة الشريعة الإسلامية في شؤون المال، قائمة في جملتها على تحقيق هذا المبدأ. وإن كل ما تفيض به كتب الشريعة الإسلامية من الأحكام المتعلقة بمختلف شؤون الاقتصاد والمال يبتغى من ورائها إقامة مجتمع عادل تتقارب فيه طبقات الناس وفئاتهم ويقضى فيه على أسباب الثغرات التي قد تظهر فيما بينها، والتي قد تؤثر على سير العدالة وتطبيقها.
ولو طبّقت أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمتها الخاصة بشؤون المال من إحياء لشريعة الزكاة ومنع للربا وقضاء على مختلف مظاهر الاحتكارات لعاش الناس كلهم في بحبوحة من العيش، قد يتفاوتون في الرزق ولكنهم جميعا مكتفون، ليس فيهم كلّ على آخر وإن كانوا جميعا يتعاونون.
والمهم أن تعلم أن الله تعالى لما جعل حكمة شريعته في الدنيا إقامة هذا المجتمع، شرع لذلك وسائل وأسبابا معينة ألزمنا باتّباعها وعدم الخروج عليها. أي، إن الله تعالى تعبدنا بكل من الغاية والوسيلة معا، فلا يجوز أن يقال: إن الغاية من الإسلام إقامة العدالة الاجتماعية، فلنسلك إلى ذلك ما نراه من السبل والأسباب، بل إن هذا يعد خروجا على كل من الغاية والوسيلة معا، فلن تتحقق الغاية التي أمرنا الله تعالى بتحقيقها إلا باتباع الوسيلة التي شرعها لنا سبيلا إلى تلك الغاية، والتاريخ أعظم دليل والوقائع أكبر شاهد.
هذا وجدير بك أن تعود إلى سورة الحشر بكاملها، لتتأمل تعليق البيان الإلهي العظيم على هذه الحادثة بمجموعها وعامة ملابساتها: اليهود والمنافقون، سياسة الرسول في المال والحرب، وغير ذلك فهذه السورة من أهم ما يمكّنك من الوقوف على دروس هذه القصة وعظاتها.