وهذه الغزوة أيضا- كما ترى- قامت على أساس من غدر اليهود وكيدهم، فهم الذين أثاروا، وألّبوا، وجمعوا الجموع والأحزاب، ولم يتوقف ذلك على بني النضير الذين كانوا قد أخرجوا من
_________________
(١) رواه مسلم: ٥/ ١٧٧. ورواية البخاري توهم أن الذي خرج إنما هو الزبير، غير أن ذلك يتعلق بحادثة أخرى، فقد أرسله النبي ﷺ ليعلم له علما عن بني قريظة. أما الذي خرج إلى الأحزاب فهو حذيفة كما نص على ذلك عامة علماء السيرة، وانظر عيون الأثر لابن سيد الناس وفتح الباري لابن حجر.
(٢) سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٣١
(٣) رواه البخاري.
(٤) متفق عليه واللفظ للبخاري.
[ ٢١٧ ]
المدينة، بل اشترك معهم بنو قريظة الذين كانوا لا يزالون مرتبطين بعهود ومواثيق مع المسلمين، دون أن يجدوا منهم أي مكروه من شأنه أن يدعوهم إلى نقض تلك العهود والمواثيق! ..
ولم نعد بحاجة إلى أن نعلّق على هذا ونحوه، ونستنبط منه العظات أو الدروس، فهو من جليات الأمور التي أصبحت من المقولات التاريخية المعروفة في كل زمان ومكان.
ولنعد الآن إلى هذا الذي استعرضناه من وقائع هذه الغزوة ومشاهدها لنقف على ما تنطوي عليه من دروس وعظات وأحكام، وسنلخصها في الأمور التالية:
أولا: لقد كان من جملة الوسائل الحربية التي استعملها المسلمون في هذه الغزوة حفر الخندق، ولقد كانت غزوة الأحزاب أول غزوة في التاريخ العربي والإسلامي يحفر فيها الخنادق، إذ هو مما كان متعارفا بين الأعاجم فقط، وقد رأيت أن الذي اقترح ذلك في غزوة الأحزاب إنما هو سلمان الفارسي، وقد رأيت أن النبي ﷺ أعجب بهذه الوسيلة الحربية وسرعان مادعا أصحابه إلى القيام بتحقيقها.
وهذا من جملة الأدلة الكثيرة التي تدل على أن الحكمة هي ضالة المؤمن، فحيثما وجدها التقطها بل هو أولى بها من غيره، وأن الشريعة الإسلامية بمقدار ما تكره للمسلمين اتباع غيرهم وتقليدهم على غير بصيرة، تحب لهم أن يجمعوا لأنفسهم أطراف الخير كله والمبادئ المفيدة جميعها، أينما لاح لهم ذلك، وحيثما وجد. فالقاعدة الإسلامية العامة في هذا الصدد، هي أن لا يعطل المسلم عقله الحر وتفكيره الدقيق في سلوكه وعامة شؤونه وأحواله، وإذا كان المسلم كذلك، فهو ولا ريب، لا يمكن أن يربط في عنقه زماما يسلّم طرفه للآخرين فيقودوه حيثما أرادوا بدون وعي ولا بصيرة، وهو أيضا لا يمكن أن يتجاهل أي مبدأ أو عمل أو نظام يسلّم به العقل النيّر والفكر الحر وينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ليتجاوزه ولا يتعب نفسه بأخذه والاستفادة منه.
وهذا السلوك الذي شرعه الله للمسلم، إنما ينبع من أصل أساسي هو الكرامة التي فطر الله الإنسان عليها إذ قضت مشيئته أن يكون هو سيد المخلوقات. وما ممارسة العبودية لله تعالى والتزام أحكام شريعته إلا ضمان لحفظ هذه الكرامة والسيادة.
ثانيا: وفيما استعرضناه من مشهد عمل الصحابة مع رسول الله ﷺ في حفر الخندق، عبرة بالغة كبرى، توضح لك حقيقة المساواة التي يرسيها المجتمع الإسلامي بين جميع أفراده المسلمين، وتكشف لك أن العدالة والمساواة، ليستا في الاعتبار الإسلامي مجرد شعارات يزين بها ظاهر المجتمع أو يوضع منه في إطار لامع براق، وإنما العدالة والمساواة هما الأساس الواقعي الذي تنبثق منه القيم والمبادئ الإسلامية عامة ظاهرا وباطنا.
[ ٢١٨ ]
فأنت تجد أن رسول الله ﷺ لم يندب المسلمين إلى حفر الخندق، ثم ذهب يراقبهم في قصر منيف له مستريحا هادئا، ولا أقبل إليهم في احتفال صاخب رنان ليمسك معول أحدهم بأطراف أصابعه، فيضرب به ضربة واحدة في الأرض إيذانا ببدء العمل وتخييلا لهم أنه قد شاركهم في ذلك، ثم يلقي المعول ويدير إليهم ظهره، ينفض عن حلته ما قد علق بها من ذرات غبار..
ولكن رسول الله ﷺ قد انخرط في العمل كأي واحد من أصحابه، حتى لبس ثوبا من الأتربة والغبار على جسمه فما تفرقه عن أي عامل آخر من صحبه وإخوانه، يرتجزون لينشط بعضهم بعضا، فيرتجز معهم، ويتعبون ويجوعون فيكون أولهم تعبا وجوعا. وتلك هي حقيقة ما أقامته الشريعة الإسلامية من مساواة بين الحاكم والمحكوم والغني والفقير والصعلوك والأمير، وأنت لا تجد فرعا من فروع الشريعة وأحكامها إلا قائما على هذا الأساس ضامنا لهذا الحق.
وأعيذك أن تخطئ، فتسمي هذا ديموقراطية في السلوك أو الحكم، فشتان ما بينهما من الفرق.
مصدر هذه العدالة والمساواة في الدين الإسلامي، هو العبودية لله تعالى. وهي صفة عامة شاملة للناس كلهم، تضعهم في صف واحد من المكانة والاعتبار. ومصدر ما يسمونه بالديموقراطية، تحكيم رأي الأكثرية أي تأليه رأي الأكثرية على الآخرين، مهما كانت طبيعة ذلك الرأي ومرماه.
من أجل هذا، لا تعوج الشريعة الإسلامية على شيء مما يسمى بالامتيازات لأي طبقة أو فئة من الناس، ولا تخص جماعة منهم بحصانة ما مهما كانت الدوافع والأسباب، لأن صفة العبودية من شأنها أن تذيب كل ذلك وتلغيه من الاعتبار.
ثالثا: وفي هذا المشهد نفسه أيضا عظة وعبرة أخرى تكشف لك عن مظهر النبوة في شخصية النبي ﷺ، وتضعك أمام مدى ما كانت تمتلئ به نفسه من محبة أصحابه والشفقة عليهم وتعطيك مثالا آخر للخوارق والمعجزات التي أكرم الله بها نبيه ﷺ.
فأما ما يتجلى من شخصيته النبوية في هذا المشهد، فذلك يبدو في مكابدته ﷺ للجوع الشديد أثناء عمله مع أصحابه، حتى إنه ليشد الحجر على بطنه، يتقي بذلك ما يجده الجائع من ألم الفراغ في معدته، ترى ما الذي يمكن أن يحمله على معاناة مثل هذه المشقة والجهد؟ أهو التطلع إلى الزعامة! .. أم هي الرغبة في المال والملك! .. أم هو الطموح إلى أن يجد من حوله شيعة وأتباعا! .. كل هذه المطامع، تناقض مناقضة صارخة هذا الذي يكابده ويعانيه، وما أبعد الرجل الذي يطمع في جاه أو ملك أو سلطان عن الصبر على تحمل مثل هذه الآلام.
إن الذي يحمله على تحمل كل ذلك إنما هو مسؤولية الرسالة والأمانة التي كلف بتبليغها
[ ٢١٩ ]
والسير بها إلى الناس في طريق هذه طبيعتها. فهذه الشخصية النبوية التي تتجلى في عمله مع أصحابه في حفر الخندق.
وأما ما يبدو خلال ذلك من محبته الشديدة لأصحابه والشفقة عليهم، فإنك لتجده واضحا في موقفه ﷺ من دعوة جابر له إلى طعامه القليل، ذاك الذي صنعه له.
لقد كان الذي دفع جابرا إلى دعوته ﷺ، ما اكتشفه من شدة جوعه ﵊ حينما رأى الحجر المربوط على بطنه الشريف، ولم يكن في بيته من الطعام إلّا ما يكفي لبضعة أشخاص، فاضطر إلى أن يجعل الدعوة على قدر ما عنده من الطعام.
ولكن كيف يتصور أن يترك النبي ﷺ أصحابه في غمرة العمل وهم يتضورون مثله جوعا، لينفرد عنهم مع ثلاثة أو أربعة من أصحابه يستريحون ويأكلون، وإنه لأشفق على أصحابه من شفقة الأم على أولادها؟!
أما جابر فقد كان مضطرا إلى ما فعل، وكان ذلك منه طبيعيا، إذ إنه- كأي مفكر من الناس- لم يكن يملك إلا أن يتصرف حسب ما لديه من الأسباب المادية، والطعام الذي لديه، لا يكفي فيما يجمع عليه عرف البشر إلا لهذا العدد اليسير، فليختصّ به إذن رسول الله ﷺ ومن يشاء من بعض أصحابه في حدود ضيقة.
ولكنه ﵊، لم يكن من شأنه أن يتأثر بنظرة جابر هذه، فهو أولا لا يمكن أن يتميّز عن أصحابه بشيء من النعمة أو الراحة. وهو ثانيا لا يمكن أن يأسر نفسه تحت سلطان الأسباب المادية وحدودها التي ألفها البشر، فالله وحده مسبب الأسباب وخالقها، ومن اليسير عليه سبحانه أن يجعل من الطعام اليسير كثيرا، وأن يبارك في القليل منه حتى يكفي القوم كلهم.
ومهما يكن، فقد رأى النبي ﷺ أنه وأصحابه متضامنون متكافلون يتقاسمون النعمة بينهم مهما قلت كما يتقاسمون بينهم المحنة مهما عظمت وكثرت! .. فمن أجل ذلك أرسل جابرا إلى داره ليهيئ لهم الطعام، وانفتل هو إلى عامة القوم يناديهم أن يقبلوا جميعا إلى صنيعة كبرى لهم في دار جابر.
وأما المعجزة الخارقة في هذه القصة، فهي ما رأيت من انقلاب شاة جابر الصغيرة إلى طعام وفير كثير، شبع منه مئات الصحابة وبقيت منه بقية كثيرة تركوها بعد أن اقترح النبي ﷺ على أهل البيت أن يتصدقوا بها! .. لقد كانت هذه الخارقة العجيبة لرسول الله ﷺ تقديرا إلهيا لمدى محبته ﷺ لأصحابه وإعراضه عن الأسباب المادية وشأنها في جنب قدرة الله وسلطانه.
والذي أريده من القارئ، أن ينتبه بفكره إلى مثل هذه المؤيدات الإلهية التي كان يؤيّد بها النبي ﷺ من وراء قيمة الأسباب المادية وسلطانها، فهي من أهم ما يبرز معالم شخصيته النبوية
[ ٢٢٠ ]
للدارس المتأمل. أريد من القارئ أن ينتبه بفكره إلى هذه الحقيقة، بمقدار ما يمعن بعضهم في الإعراض عنها، وإن قابلتهم وجها لوجه أثناء البحث، بأدلة ثابتة لا تقبل الشك.
رابعا: ما هي الحكمة، ترى، في استشارته ﵊ لبعض أصحابه، في أن يعرض صلحا على غطفان، قوامه إعطاؤهم ثلث ثمار المدينة على أن ينصرفوا عن تأييد قريش ومن معهم، ويرجعوا عن حرب المسلمين، وما هي الدلالة التشريعية التي تؤخذ من تفكيره هذا؟ ..
أما الحكمة، فهي أن النبي ﷺ كان يريد أن يطمئن إلى مدى ما يتمتع به أصحابه الصادقون، من القوة المعنوية والاعتماد على نصر الله وتوفيقه على الرغم من هذا الذي فوجئوا به من اجتماع أشتات المشركين عليهم في كثرة ساحقة، إلى جانب ما طلعت به بنو قريظة في الوقت نفسه من نقض العهود والمواثيق. وقد كان من عادته ﷺ- كما قد رأيت- أنه لم يكن يحب أن يسوق أصحابه إلى حرب أو مغامرة لا يجدون في أنفسهم شجاعة كافية لخوضها، أو لا يؤمنون بجدواها، وقد كان هذا من أبرز أساليبه التربوية ﷺ لأصحابه. فمن أجل ذلك، عرض على أصحابه هذا الرأي، وأنبأهم أنه ليس تبليغا من الله تعالى، وإنما هو شيء يبديه لهم كي يكسر عنهم شوكة المشركين، إذا كانوا لا يجدون في أنفسهم طاقة على مقابلتهم.
وأما الدلالة التشريعية في هذه الاستشارة، فهي محصورة في مجرد مشروعية مبدأ الشورى في كل ما لا نص فيه. وهي بعد ذلك لا تحمل أي دلالة على جواز صرف المسلمين أعداءهم عن ديارهم إذا ما اقتحموها، باقتطاع شيء من أرضهم أو خيراتهم لهم. إذ مما هو متفق عليه في أصول الشريعة الإسلامية أن الذي يحتج به من تصرفاته ﷺ إنما هو أقواله، وأفعاله التي قام بها، ثم لم يرد اعتراض عليها من كتاب الله تعالى، فأما ما كان من ذلك في حدود الاستشارة والرأي المجردين فلا يعتبر دليلا بحال. إذ الاستشارة أولا: يمكن أن يكون المقصود منها مجرد استطلاع لما في النفوس كما ذكرنا، أي فهي ممارسة لعمل تربوي بحت، وهي ثانيا: حتى ولو انتهت بعمل تنفيذي، يمكن أن يرد عقبه اعتراض من كتاب الله تعالى، فلا تبقى فيه أي دلالة تشريعية.
على أن علماء السيرة نصّوا، كما قد رأيت، على أن النبي ﷺ لم يبرم صلحا مع غطفان ولم تقع شهادة ولا عزيمة على الصلح وإنما كان الأمر مراوضة لم يتجاوزها.
نقول هذا، لأن فئة مجهولة في عصرنا هذا، أخذت تزعم زعما شنيعا في منتهى الغرابة، وهو: أنه يجب على المسلمين أن يدفعوا (الجزية) ! إلى غير المسلمين إذا اقتضت الحاجة، مستدلة على ذلك بأنه ﷺ قد استشار أصحابه في غزوة الأحزاب أن يفعل ذلك! ..
وبقطع النظر عن هذا الذي أوضحناه من أن مضمون الرأي المعروض على بساط الاستشارة
[ ٢٢١ ]
لا يعتبر دليلا تشريعيا، فلسنا ندري ما الصلة بين (الجزية) وما يمكن أن يتصالح عليه فريقان متحاربان؟!.
فإن قلت: فهب أن المسلمين اضطروا- بسبب من أسباب الضعف- إلى الخروج عن بعض أموالهم، حفظا على حياتهم وحذرا من أن تستأصل شأفة المسلمين، أفليس لهم أن يفعلوا ذلك؟
فالجواب أن هنالك حالات كثيرة تستلب فيها أموال المسلمين وتصبح غنائم لأعدائهم، ويستعدي فيها الكافرون على بلاد الإسلام وخيراتهم فيتمكنون فيها ويسيطرون عليها. ومعلوم- بالبداهة- أن المسلمين لا يخضعون لشيء من ذلك عن طريق الاختيار واتباع الفتوى، وإنما يلجؤون إلى ذلك إلجاء ويحملون عليه كرها، وهم مع ذلك يتربصون بأعدائهم الفرص السانحة.
وأنت خبير أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما يخاطب بها من لم يكن مكرها ولا ملجأ ولا صبيا أو مجنونا.
وإذن فمن العبث انتزاع هذه الحالة التي هي من وراء حدود التكليف كيما يقرّر على أساسها حكم تكليفيّ يختار على أساس الرأي والمصلحة والمراوضة.
خامسا: كيف وبأي وسيلة انتصر المسلمون وانهزم المشركون في هذه الغزوة؟
لقد رأينا أن الوسيلة التي التجأ إليها رسول الله ﷺ وأصحابه في غزوة بدر، هي نفسها التي التجأ إليها في الخندق.. إنها وسيلة التضرع إلى الله والإكثار من الإقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، بل لقد كان هو العمل المتكرر الدائم الذي ظل يفزع إليه رسول الله ﷺ، كلما لقي عدوا أو سار إلى جهاد، وهي الوسيلة التي تعلو في تأثيرها على كل الأسباب والوسائل المادية الأخرى، وهي الوسيلة التي لا تصلح حال المسلمين إلا إذا قامت على أساسها بعناية كاملة.
أما كيف انهزم المشركون على كثرتهم، بعد ثبات المؤمنين وصبرهم وصدق التجائهم إلى الله تعالى، فقد وصف الله الكيفية في كتابه المبين إذ قال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها، وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا، إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا إلى قوله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب ٣٣/ ٩- ٢٥] .
إن هذا المعنى الذي يتكرر في غزوات الرسول ﷺ، ليس يعني إغراء المسلمين بالمغامرة والجهاد دون استعداد ولا تأهب، وإنما هو لإيضاح أن على المسلم أن يعلم أن في مقدمة أسباب النصر المختلفة، صدق الالتجاء إلى الله وإخلاص العبودية له، فلن تجدي وسائل القوة كلها إذا لم تتوفر هذه الوسيلة بعينها. وإذا تحققت في أعمال المسلمين هذه الوسيلة فحدّث عن معجزات النصر ولا حرج.
[ ٢٢٢ ]
وإلا فمن أين جاءت هذه الريح العاصفة تعصف بمعسكر المشركين وحدهم، دون أن يشعر بها المسلمون إلى جانبهم؟! .. هي هناك تقلب قدورهم وتطير خيامهم وتقلع أوتادها، وتزلزل أفئدتهم بالرعب، وهي هنا ريح باردة رخاء، تنعش ولا تؤذي أحدا! ..
سادسا: لقد فاتت النبي ﷺ صلاة العصر كما قد رأيت في هذه الموقعة، لشدة انشغاله، حتى صلّاها قضاء بعدما غربت الشمس. وفي روايات أخرى غير الصحيحين أن الذي فاته، أكثر من صلاة واحدة، صلّاها تباعا بعدما خرج وقتها وفرغ لأدائها.
وهذا يدل على مشروعية قضاء الفائتة. ولا ينقض هذه الدلالة ما ذهب إليه البعض من أن تأخير الصلاة لمثل ذلك الانشغال كان جائزا إذ ذاك ثم نسخ حينما شرعت صلاة الخوف للمسلمين رجالا وركبانا عند التحام القتال بينهم وبين المشركين، إذ النسخ- على فرض صحته- ليس واردا على مشروعية القضاء، وإنما هو وارد على صحة تأخير الصلاة بسبب الانشغال. أي أن نسخ صحة التأخير ليس نسخا لما كان قد ثبت من مشروعية القضاء أيضا، بل هي مسكوت عنها، فتبقى على مشروعيتها السابقة. على أن الذي يقتضيه الدليل القطعي، هو أن صلاة الخوف شرعت قبل هذه الغزوة كما مرّ تحقيق ذلك عند الحديث عن غزوة ذات الرقاع «٨٢» .
ومن أدلة هذه المشروعية أيضا ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال بعد منصرفه إلى المدينة من غزوة الأحزاب، لا يصلين أحد العصر (أو الظهر) إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم وقت الصلاة في الطريق فقال البعض: «لا نصلي حتى نأتيها»، وقال بعضهم: «بل نصلي، لم يرد منا ذلك» . فصلاها الفريق الأول بعد وصولهم إلى بني قريظة قضاء.
وإذا ثبت وجوب قضاء المكتوبة بعد فواتها، فسيان أن يكون سبب الفوات نوما أو إهمالا أو تركا متعمدا، إذ لم يرد- بعد ثبوت الدليل العام على وجوب قضاء الفائتة عموما- أي دليل يخصص مشروعية القضاء ببعض أسباب التفويت دون بعضها الآخر، والذين تركوها في طريقهم إلى بني قريظة، لم يكونوا نائمين ولا ناسين. فمن الخطأ إذن أن تخصص مشروعية قضاء الفائتة المكتوبة- مع ذلك- بما عدا التفويت المتعمد، وهو أشبه ما يكون بمن يخصصها ببعض المكتوبات دون بعض بدون أي مخصص شرعي.
وربما توهم بعضهم أنه قد ثبت دليل يخصص عموم أدلة مشروعية القضاء، وهو المفهوم المخالف لحديث: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها»، ولكن هذا وهم لا ينبغي أن يدخل على طالب علم متبصّر. فالمقصود بالحديث ليس هو أمر الناسي والنائم بقضاء الصلاة، دون غيرهما، ولكن المقصود التركيز على القيد، وهو «إذا ذكرها» وذلك للتنبيه إلى أنه لا يشترط لمن
_________________
(١) انظر ص ١٩٥ من هذا الكتاب.
[ ٢٢٣ ]
فاتته صلاة وأراد تداركها أن ينتظر حلول وقتها من اليوم الثاني ثم يؤديها إذ ذاك. بل عليه أن يبادر إلى قضائها بمجرد التذكر، في أي وقت كان. فإذا عرفت أن هذا هو مقصود رسول الله ﷺ كما تدل على ذلك صيغة الحديث نفسها وكما ذكر ذلك علماء الحديث وشراحه «٨٣» عرفت أنه لا دلالة تشريعية تتعلق بالمفهوم المخالف للنوم أو النسيان في الحديث.