إن لهذه الخلوة التي حببت إلى قلب رسول الله ﷺ قبيل البعثة، دلالة عظيمة جدا، لها أهمية كبرى في حياة المسلمين عامة والداعين إلى الله بصورة خاصة.
فهي توضح أن المسلم لا يكمل إسلامه مهما كان متحليا بالفضائل قائما بألوان العبادات، حتى يجمع إلى ذلك ساعات من العزلة والخلوة يحاسب فيها النفس، ويراقب الله تعالى، ويفكر في مظاهر الكون، ودلائل ذلك على عظمة الله.
هذا في حق أي مسلم يريد لنفسه الإسلام الصحيح، فكيف بمن يريد أن يضع نفسه موضع الداعي إلى الله والمرشد إلى الطريق الحق.
وحكمة ذلك أن للنفس آفات لا يقطع شرتها إلا دواء العزلة عن الناس، ومحاسبتها في نجوة من ضجيج الدنيا ومظاهرها. فالكبر، والعجب والحسد، والرياء، وحبّ الدنيا، كل ذلك آفات من شأنها أن تتحكم في النفس وتتغلغل إلى أعماق القلب، وتعمل عملها التهديمي في باطن الإنسان على الرغم مما قد يتحلى به ظاهره من الأعمال الصالحة والعبادات المبرورة، ورغم ما قد ينشغل به، من القيام بشؤون الدعوة والإرشاد وموعظة الناس. وليس لهذه الآفات من دواء إلا أن يختلي صاحبها بين كل فترة وأخرى مع نفسه ليتأمل في حقيقتها ومنشئها ومدى حاجتها إلى عناية الله تعالى وتوفيقه في كل لحظة من لحظات الحياة، ثم ليتأمل في الناس ومدى ضعفهم أمام الخالق ﷿ وفي عدم أي فائدة لمدحهم أو قدحهم، ثم ليتفكر في مظاهر عظمة الله وفي اليوم الآخر وفي الحساب وطوله، وفي عظيم رحمة الله وعظيم عقابه. فعند التفكير الطويل المتكرر في هذه الأمور تتساقط تلك الآفات اللاحقة بالنفس ويحيا القلب بنور العرفان والصفاء، فلا يبقى لعكر الدنيا من سبيل إلى تكدير مرآته.
[ ٦٠ ]
وشيء آخر له بالغ الأهمية في حياة المسلمين عامة وأرباب الدعوة خاصة: هو تربية محبة الله ﷿ في القلب. فهو منبع التضحية والجهاد وأساس كل دعوة متأججة صحيحة، ومحبة الله تعالى لا تأتي من مجرد الإيمان العقلي به، فالأمور العقلانية وحدها ما كانت يوما ما لتؤثر في العواطف والقلوب. ولو كان كذلك، لكان المستشرقون في مقدمة المؤمنين بالله ورسوله، ولكانت أفئدتهم من أشد الأفئدة حبّا لله ورسوله. أو سمعت بأحد من العلماء ضحى بروحه إيمانا منه بقاعدة رياضية أو مسألة من مسائل الجبر؟!.
وإنما الوسيلة إلى محبة الله تعالى- بعد الإيمان به- كثرة التفكير في آلائه ونعمه والتأمل في مدى جلاله وعظمته، ثم الإكثار من ذكره ﷾ بالقلب واللسان. وإنما يتم كل ذلك بالعزلة والخلوة والابتعاد عن شواغل الدنيا وضوضائها في فترات متقطعة متكررة من الزمن.
فإذا قام المسلم بذلك وتهيأ له أداء هذه الوظيفة، نبتت له من ذلك في قلبه محبة إلهية عارمة، تجعله يستصغر كل عظيم، ويحتقر كل مغرية من المغريات، ويستهين بكل إيذاء وعذاب، ويستعلي فوق كل إذلال أو استهزاء. فتلك هي العدة الكبرى التي ينبغي أن يتسلح بها الدعاة إلى الله، وتلك هي العدة التي جهز الله بها حبيبه محمدا ﷺ ليقوم بأعباء الدعوة الإسلامية.
ذلك لأن الدوافع الوجدانية في القلب من خوف ومحبة ورجاء تفعل ما لا يفعله الفهم العقلي المجرد. ولقد أجاد الشاطبي ﵀ حينما فرق في هذه الدوافع بين عامة المسلمين الذين دخلوا في ربقة التكاليف بدافع من عموم إسلامهم، وخواصهم الذين دخلوا في ربقة هذه التكاليف يسوقهم ما هو أشد من مجرد التعقل والفهم. يقول:
«فالضرب الأول حاله حال من يعمل بحكم عهد الإسلام وعقد الإيمان من غير زائد، والثاني حاله حال من يعمل بحكم غلبة الخوف والرجاء أو المحبة، فالخوف سوط سائق، والرجاء حاد قائد، والمحبة تيار حامل، فالخائف يعمل مع وجود المشقة، غير أن الخوف مما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو أهون وإن كان شاقا. والراجي يعمل مع وجود المشقة أيضا، غير أن الرجاء في تمام الراحة يحمل على الصبر على تمام التعب. والمحب يعمل ببذل المجهود شوقا إلى المحبوب، فيسهل عليه الصعب ويقرب عليه البعيد، وتفنى القوى ولا يرى أنه أوفى بعهد المحبة ولا قام بشكر النعمة» «٢٠» .
واتّخاذ الوسائل المختلفة لتحقيق هذه الدوافع الوجدانية في القلب مما أجمع المسلمون على
_________________
(١) الموافقات للشاطبي: ٢/ ١٤١، وراجع كتاب (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) لمؤلف هذا الكتاب: ص ١١١- ١١٢
[ ٦١ ]
ضرورته، وهو ما يسمى بالتصوف عند جمهور العلماء والباحثين، أو بالإحسان عند بعضهم، أو بعلم السلوك عند بعض آخر كالإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى «٢١» .
والاختلاء الذي كان يمارسه ﷺ قبيل بعثته كان واحدة من هذه الوسائل لتحقيق هذه الدوافع نفسها.
بيد أنه لا ينبغي أن يفهم معنى الخلوة كما شذّ البعض ففهموها حسب شذوذهم، وهو الانصراف الكلي عن الناس واتّخاذ الكهوف والجبال موطنا واعتبار ذلك فضيلة بحدّ ذاتها.
فذلك مخالف لهديه ﷺ ولما كان عليه عامة أصحابه. إنما المراد هو استحباب اتخاذ الخلوة دواء لإصلاح الحال كما ذكرنا، والدواء لا ينبغي أن يؤخذ إلا بقدر، وعند اللزوم، وإلّا انقلب إلى داء ينبغي التوقي منه. وإذا رأيت في تراجم الصالحين من استمر على الخلوة والابتعاد عن الناس، فمردّ ذلك إلى حالة خاصة به، وليس عمله حجة على الناس.