اتفق علماء المغازي والسّير، كما أسلفنا، على أن غزوة ذات الرقاع كانت قبل خيبر. ثم رجّح معظمهم أنها كانت بعد غزوة بني النّضير في العام الرابع للهجرة. وذهب بعضهم كابن سعد وابن حبّان إلى أنها في العام الخامس.
غير أن الإمام البخاري نصّ في صحيحه على أنها كانت بعد خيبر، ولكنها مع ذلك جاءت في ترتيب كتابه قبلها! .. ورجح الحافظ ابن حجر ما ذهب إليه البخاري مستدلا بأن صلاة الخوف كانت مشروعة في ذات الرقاع مع أنه لم يصلّها في الخندق وقد فاتته فصلاها قضاء، كما استدل بما روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري يصف كيف نقبت أقدامهم في ذات الرقاع حتى لفّوا عليها الخرق فلذلك سميت بذات الرقاع وأبو موسى الأشعري لم يعد من الحبشة إلا بعد غزوة خيبر. واستشكل ابن القيّم الأمر على ضوء هذه الأدلة فقال: إن هذا يدل على أن غزوة ذات الرقاع ربما كانت بعد غزوة الخندق «٥٦» .
_________________
(١) صرار: اسم مكان في ضاحية المدينة.
(٢) جمع غرقة: الوسادة الصغيرة للاتكاء. يقصد أنها إذا علمت بقدومك قامت فهيأت البيت لوصولك
(٣) سياق القصة بهذا اللفظ لابن إسحاق كما رواه ابن هشام في السيرة. وهي في البخاري ومسلم قريب من ذلك.
(٤) انظر فتح الباري: ٧/ ٢٩٤، وعيون الأثر: ٢/ ٥٣، وزاد المعاد: ٢/ ١١١
[ ١٩٧ ]
قلت: بل يتعين أن تكون غزوة ذات الرقاع هذه قبلها، إذ ثبت في الصحيح أن جابرا ﵁ استأذن الرسول إلى بيته في غزوة الخندق وأخبر امرأته بما رأى من جوع رسول الله ﷺ، وفيه قصة الطعام الذي دعا إليه النّبي ﷺ وأصحابه، وفيه أنه ﷺ قال لزوجة جابر: «كلي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة» . وثبت في الصحيحين أيضا أن رسول الله ﷺ سأل جابرا في غزوة ذات الرقاع: «هل تزوجت بعد؟ قال: نعم يا رسول الله» .. الحديث وقد مرّ مفصّلا. أي فلم يكن قد علم النّبي ﷺ بعد شيئا عن زواجه.
فهذا يدل دلالة واضحة على أن ذات الرقاع كانت قبل الأحزاب فضلا عن خيبر.
ولم أر من استدلّ بهذا على تأخر الأحزاب عن ذات الرقاع، ممن قال بذلك، ولا من أجاب عنه ممن قال بعكسه، ولكنه على كل حال، دليل يكاد يكون قاطعا على ما نقول.
أمّا، ما استدل به الحافظ ابن حجر من أنه ﷺ لم يصلّ صلاة الخوف في الأحزاب وصلاها قضاء فيجاب عنه بأنه ربما كان سبب تأخير الرسول ﷺ لها إذ ذاك، استمرار الرمي بين المشركين والمسلمين بحيث لم يدع مجالا للانصراف إلى الصلاة، وربما كان العدو في جهة القبلة وصلاة الخوف التي صليت في ذات الرقاع كان العدو فيها في غير جهة القبلة كما قد رأيت، أو ربما أخّرها لبيان مشروعية قضاء الفائتة كيفما كانت. كما يجاب عن استدلاله بحديث أبي موسى الأشعري بما ذكره كثير من علماء السّير والمغازي من أن أبا موسى الأشعري إنما قصد بها غزوة أخرى سميت هي أيضا بذات الرقاع. بدليل أنه قال عنها: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه» إلخ. وغزوة ذات الرقاع التي نتحدث عنها كان عدد المسلمين فيها أكثر من ذلك.
وقد حاول الحافظ ابن حجر ﵀ أن يردّ على هذا الكلام ولكن ليس ثمة داع إلى ذلك، خصوصا وقد ثبت الدليل القاطع على ما ذهب إليه علماء المغازي، مما ذكرناه من حديث جابر في كل من الغزوتين.
هذا وسنفصّل الحديث عن تأخير النّبي ﵊ الصلاة عن وقتها يوم الخندق وما يتعلق به من المسائل والأحكام، في مناسبته إن شاء الله.
ثم إن هذه الغزوة لم يشتبك فيها المسلمون مع أحد من المشركين بقتال، كما رأيت من استعراض خلاصتها، ولكنها مع ذلك تنطوي على مشاهد ذات دلالات هامة يجب دراستها والاعتبار بها. ولقد ذكرنا منها خمسة مشاهد هي خلاصة أحداثها، فلنذكر ما يمكن أن يفهم من كل واحد منها:
أولا: فيما رواه الشيخان عن أبي موسى الأشعري في بيان سبب تسمية هذه الغزوة أو غيرها، كما قلنا، بذات الرقاع صورة واضحة عن مدى ما كان يتحمله أصحاب رسول الله ﷺ في تبليغ
[ ١٩٨ ]
رسالة ربّهم والجهاد في سبيله. لقد أوضحت الصورة أنهم كانوا فقراء لا يجدون حتى الظهر الذي يمتطونه لجهادهم وغزواتهم، فالستة أو السبعة يتبادلون ركوب بعير واحد في قطع مسافة بعيدة شاقة، ولكن الفقر لم يستطع مع ذلك أن يعوقهم عن أداء رسالتهم، رسالة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله. فقد تحملوا في سبيل ذلك كل النتائج وكل ألوان المحن نقبت أقدامهم من طول سيرها على الوعثاء والقتاد، وتساقطت أظافرهم مما اصطدمت بالحجارة والصخور، وتعرّت أقدامهم فلم يجدوا إلا الخرق يلفونها عليها الواحدة فوق الأخرى!! .. ومع ذلك فما ضعفوا وما استكانوا واستهانوا بكل ذلك في جنب عظم المسؤولية الإلهية الملقاة على أعناقهم منذ أن أصبحوا مسلمين، فقد كانوا يتمثلون قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة ٩/ ١١١] .
ثم إنك ترى أن أبا موسى الأشعري ﵁، كره من نفسه أن أباح بهذا الخبر، بعد أن أفلت من فمه، عندما سألوه عن سبب تسمية هذه الغزوة بذات الرقاع.. وإنما كره ذلك وندم عليه بسبب أنه أفشا شيئا من عمله الذي احتسب أجره عند الله تعالى.
وهذا يدل، كما يقول الإمام النووي، على أنه يستحب للمسلم أن يخفي أعماله الصالحة وما قد يكابده من المشاقّ في طاعة الله تعالى، وأن لا يتعمّد إظهار شيء من ذلك إلا لمصلحة، مثل بيان حكم ذلك الشيء والتنبيه على الاقتداء به ونحو ذلك. وعلى مثل هذا يحمل ما وجد للسلف من الإخبار ببعض أعمالهم «٥٧» .
ثانيا: الطريقة التي صلى بها رسول الله ﷺ جماعة مع أصحابه في هذه الغزوة، هي الأساس الذي قامت عليه مشروعية صلاة الخوف.
ولصلاة الخوف كيفيتان، إحداهما خاصة بأن يكون العدو في جهة القبلة، والثانية خاصة بأن يكون العدو في غير جهتها. والكيفية الثانية هي التي صلى بها رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع. فقد حان وقت الصلاة، وأشتات العدو من حول المسلمين في أكثر من جهة القبلة وحدها، ويخشى أنهم يراقبون المسلمين من بعد، حتى إذا رأوهم أدبروا عنهم جميعا وانشغلوا بصلاتهم غدروا بهم وانحطوا فيهم بسيوفهم.
فبدأ رسول الله ﷺ الصلاة مع فرقة من أصحابه، وإخوانهم يراقبون العدو في جهاته المختلفة، حتى إذا أتمّ الرسول ﷺ من صلاته نصفها، أي ركعة واحدة، فارقه من كانوا يصلون خلفه وأسرعوا فأتموا الركعة الثانية وحدهم، والرسول واقف في صدر ركعته الثانية، ثم ذهبوا
_________________
(١) انظر النووي على صحيح مسلم: ١٢/ ١٩٧ و١٩٨
[ ١٩٩ ]
ليرابطوا مكان إخوانهم، حيث جاء هؤلاء فاقتدوا به ﷺ فصلى بهم الركعة الثانية التي بقيت من صلاته، ثم قاموا فأتموا وحدهم الركعة الثانية والنّبي ﷺ ينتظرهم جالسا، ثم سلّموا معه.
والذي اقتضى هذه الكيفية من الصلاة مع إمكان أدائهم الصلاة بجماعتين، سببان اثنان:
الأول: قصد اجتماعهم كلهم على الاقتداء برسول الله ﷺ، وتلك فضيلة لا يصار إلى غيرها عند إمكان تحقيقها.
الثاني: استحباب وحدة الجماعة قدر الإمكان، فتجزئة القوم أنفسهم إلى عدة جماعات تتوالى لأداء فريضة من الفرائض مكروه بدون ضرورة.
ولم يلاحظ السادة الحنفية إلا السبب الأول لها، ولذلك ذهبوا إلى أنه لا مسوغ لبقاء مشروعيتها بعد وفاة النّبي ﷺ.
ثالثا: قصة المشرك الذي أخذ سيف رسول الله ﷺ وهو نائم تحت الشجرة إلخ، قصة ثابتة صحيحة كما رأيت، وهي تكشف عن مدى رعاية الباري ﷻ وحفظه لنبيه ﷺ، ثم هي تزيدك يقينا بالخوارق التي أخضعها الله ﷻ له ﵊ مما يزيدك تبصرا ويقينا بشخصيته النّبوية، فقد كان من السهل الطبيعي بالنسبة لذلك المشرك- وقد أخذ السيف ورفعه فوق النّبي ﷺ وهو أعزل غارق في غفلة النوم- أن يهوي به عليه فيقتله، وإنك لتلمس من ذلك المشرك هذا الاعتداد بنفسه والزهو بالفرصة الذهبية التي أمكنته من رسول الله ﷺ، في قوله: من يمنعك مني!؟ .. فما الذي طرأ بعد ذلك حتى عاقه عن القتل؟ .. إن الذي طرأ.. هو ما لم يكن في حساب المشرك وتقديره، ألا وهو عناية الله وحفظه لرسوله، فقد كانت العناية الإلهية كافية لأن تملأ قلب المشرك بالرعب وأن تقذف في ساعديه تيارا من الرجفة، فيسقط من يده السيف.. ثم يجلس متأدبا مطرقا بين يدي رسول الله.
وأهم ما يجب أن تعلمه من هذه الحادثة أن هذا هو مصداق قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة ٥/ ٦٧] . فليست العصمة المقصودة في الآية، أن لا يتعرض لأذى أو محنة من قومه، إذ تلك هي سنّة الله في عباده كما قد علمت. وإنما المراد من العصمة أن لا تطول إليه أي يد تحاول اغتياله وقتله لتغتال فيه الدعوة الإسلامية التي بعث لتبليغها.
رابعا: إنما ذكرنا قصة جابر بن عبد الله وما كان بينه وبين رسول الله ﷺ من المحادثة في طريق عودتهما إلى المدينة، مع أنها لا تتعلق بشيء من أمر الغزوة لما فيها من الصورة الكاملة الدقيقة لخلق رسول الله ﷺ مع أصحابه، وما انطوى عليه خلقه الكريم هذا من لطف في المعاشرة ورقة في الحديث وفكاهة في المحاورة ومحبة شديدة لأصحابه.
فأنت إذا تأملت جيدا في هذه القصة التي سردناها، علمت أن النّبي ﷺ كان متأثرا بالمحنة
[ ٢٠٠ ]
التي طافت على بيت جابر بن عبد الله. فقد استشهد والده في أحد، فقام هو- وهو أكبر أولاد أبيه- على شأن الأسرة ورعاية الأطفال الكثيرين الذين خلّفهم له والده من ورائه، وهو على ذلك رقيق الحال ليس له نصيب وافر من الدنيا.
وكأنما استشعر رسول الله ﷺ في تأخر جابر عن القوم بسبب جمله الضعيف الذي لا يملك غيره، مظهرا لحالته العامة هذه.. (وقد كان من عادته ﷺ إذا سار مع صحبه في طريق، أن يتفقد أصحابه كلهم ويطمئن عليهم بين كل فترة وأخرى)، فانتهزها فرصة وتخلف حتى التقى معه وراح يواسيه بأسلوبه الرقيق الفكه الذي رأيت، في طريق ليس معهما فيه ثالث.
عرض عليه ﷺ شراء بعيره، وهو إنما يريد أن يجعل من ذلك ذريعة ومناسبة لإكرامه ومساعدته على وضعه الذي هو فيه، ثم سأله عن الزوجة والبيت، في أسلوب فكه رقيق، وراح يطمئن الزوج الجديد، أنهم إذا وصلوا قريبا من المدينة أقاموا ساعات هناك، حتى يتسامع أهل المدينة بمقدمهم، فتسمع زوجته، فتصلح له من شأنها، وتهيء له البيت بزينته ونمارقه. وينساق معه جابر في الأسلوب نفسه فيقول: «والله يا رسول الله ما لنا من نمارق!» .. فيجيبه ﵊ قائلا: «إنها ستكون» .
صورة رائعة، عن لطف معشره، وأنس حديثه، والفكاهة الحلوة في محاورته لأصحابه، لم يكتب لنا أن نراها ونسعد بها في مجالسه ﷺ وغزواته وأسفاره، ولكن ها نحن نستشفها من سيرته وأخباره العطرة فيهزنا الشوق إلى رؤيته التي حرمناها ومجالسه التي سمعنا بها ولم نرها، وغزواته التي قرأناها ولم يكن لنا شرف الاشتراك فيها، اللهم عوضنا عن ذلك كله بلقاء معه في جنان خلدك، وهيّئنا لذلك بتوفيق من لدنك للتمسك بهديه واقتفاء أثره في تحمل كل محنة وضيم في سبيل دينك وتحقيق شريعتك.
خامسا: لابدّ من أن يقف المسلم وقفة متأملة طويلة، أمام خبر ذينك الصحابيين، وهما يقومان على الثغر الذي أمرهما رسول الله ﷺ بحراسته، ليعلم طبيعة الجهاد الإسلامي وكيف كان يمارسه أصحاب رسول الله ﷺ.
لم يكن الجهاد عملا حركيا يقوم على أساس المقاومة المجردة، ولم يتصور واحد من أولئك المسلمين هذه الصورة الشوهاء له ولا في لحظة واحدة.
إنما الجهاد- كما علّمه الرسول أصحابه وكما فهمه الصحابة منه- عبادة كبرى يتعلق فيها كيان المسلم كلّه بخالقه ﷻ خاشعا مستغيثا متبتلا. وما ساعة يكون فيها المؤمن أقرب إلى ربّه ﷻ من تلك الساعة التي يستدبر فيها الدنيا ويستقبل بوجهه شطر الموت والاستشهاد.
ولذلك، كان من الطبيعي جدا بالنسبة لذلك الأنصاري، (عباد بن بشر) ﵁،
[ ٢٠١ ]
أن يشغل شطر حراسته من الليل بركعات خاشعة يقف فيها بين يدي ربّه ﷻ، وقد انصرفت مشاعره كلها إلى مناجاته بآيات من كتابه الكريم.
وكان من الطبيعي جدا أن لا يبالي بذلك السهم الذي أسرع فانحطّ في جسمه، ولا بالسهم الثاني الذي تبعه، لأن بشريّته كلها إنما كانت في تلك الساعة مطويّة ضمن مشاعره المنصرفة إلى ربّه ﷻ وقد غمرتها لذّة المناجاة بين العبد وخالقه.
ولما ارتدّ شعوره إليه وأخذ يهتم بما قد أصابه، لم يكن ذلك لمزيد من الألم بدأ يشعر به، وإنما للمسؤولية المنوطة به مخافة أن يضيّعها بضياع حياته واستمرار سكوته. فكان ذلك هو الذي اضطره إلى أن يلتفت فيوقظ صاحبه ليستلم منه أمانة الثغر الذي أنيط بهما حفظه.
وتأمل يا أخي المسلم في قوله ﵁: «وايم الله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله ﷺ بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها» (أي الصلاة) .
تلك هي طبيعة الجهاد الذي تكفل الله لأربابه بالنصر والفوز، مهما كانت القوى المتألبة عليهم المتجمعة من حولهم.
فقارن- ليتقطع منك الكبد حسرة وأسى- بين ذلك الجهاد و(الجهاد) الآخر الذي نفخر باسمه وشعاراته اليوم.
قارن، لتقف على مدى عدالة الله في الأرض، ولتعلم أن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
ثم ارفع يديك إلى السماء متوسلا أن لا يهلكنا الله بما فعل المبطلون، واجهد أن تسكب قطرات حارة من دمع عينيك فيهما. فلعل في ذلّ العبودية إذ نتسربل به صادقين أمام الله، ما يردّ عنا نقمة حقت علينا بتقصيرنا وما جنيناه من سيء الأعمال على نفوسنا.