قدم عامر بن مالك المشهور بلقب (ملاعب الأسنة) على رسول الله ﷺ، فعرض عليه الإسلام، ولكنه لم يسلم ولم يظهر تجنبا عن الإسلام، بل قال: «يا محمد، لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. فقال ﵊:
إني أخشى عليهم أهل نجد قال عامر: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله ﷺ سبعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين وكان ذلك على ما رواه ابن إسحاق وابن كثير في صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحد. فساروا حتى نزلوا ببئر معونة، فلما نزلوها بعثوا أحدهم (حرام بن ملحان) بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن
_________________
(١) صحيح البخاري: ٥/ ٤١
(٢) انظر سيرة ابن هشام: ٢/ ١٧٢
[ ١٨٦ ]
الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه، وعدا عليه فقتله. روى البخاري عن أنس بن مالك، أن حرام بن ملحان لما طعن وانتضح الدم في وجهه، صاح: فزت ورب الكعبة «٣٦» .
ثم استصرخ عامر بن الطفيل بتي عامر يستعديهم على بقية الدعاة فأبوا أن يجيبوه وقالوا:
لن نخفر أبا براء (عامر بن مالك)، فاستصرخ عليهم قبائل من سليم من عصيّة ورعل وذكوان فأجابوه، وانطلقوا فأحاطوا بالقوم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم وقاتلوهم، فقتل المسلمون عن آخرهم.
وكان في سرح الدعاة اثنان لم يشهدا هذه الموقعة الغادرة، أحدهما (عمرو بن أمية الضمري) ولم يعرف النبأ إلا فيما بعد، فأقبلا يدافعان عن إخوانهما فقتل زميله معهم، وأفلت هو فرجع إلى المدينة. وفي الطريق لقي رجلين من المشركين ظنهما من بني عامر فقتلهما، ثم تبيّن لما وصل إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبر أنهما من بني كلاب وأن النبي ﷺ كان قد أجارهما. فقال ﵊: لقد قتلت قتيلين لأدينّهما.
وتأثر النبي ﷺ لمقتل هؤلاء الدعاة الصالحين من أصحابه، وبقي شهرا يقنت في صلاة الصبح يدعو على قبائل سليم: رعل وذكوان وبني لحيان وعصيّة» «٣٧» .