كان في شهر ذي القعدة، آخر سنة ست للهجرة.
وسببها أنّ النّبي ﷺ أعلن في المسلمين أنه متوجّه إلى مكة معتمرا، فتبعه جمع كبير من المهاجرين والأنصار بلغ عددهم ألفا وأربع مئة تقريبا. وأحرم ﷺ بالعمرة في الطريق، وساق معه الهدي ليأمن الناس من حربه وليعلموا أنه إنما خرج زائرا البيت ومعظما له.
وأرسل ﷺ وهو عند ذي الحليفة عينا له من قبيلة خزاعة اسمه بشر بن سفيان ليأتيه بخبر أهل مكة، وسار النبي ﷺ حتى وصل إلى غدير الأشطاط، فأتاه العين الذي كان قد أرسله، فقال له: «إن قريشا جمعت لك جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت ومانعوك، فقال: أشيروا أيها الناس.. فقال له أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدّنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم الله.
ثم قال: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ فقال له رجل من بني أسلم: أنا يا رسول الله. فسلك بهم طريقا وعرا بين الشعاب، وسار النّبي ﷺ وأصحابه حتى إذا كانوا في ثنية المرار (وهي طريق في الجبل تشرف على الحديبية) بركت به راحلته، فقال الناس:
حل، حل (اسم صوت كانوا يزجرون به الجمال) فلم تتحرك، فقالوا: خلأت القصواء، فقال ﷺ: ما خلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده، لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على حفيرة قليلة الماء، فلم يلبث الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم
[ ٢٣٠ ]
بالريّ حتى صدروا عنه «١»، فبيما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر معه، فقال:
إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا مياه الحديبية، ومعهم العوذ المطافيل «٢»، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، فقال رسول الله ﷺ: إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جمّوا (أي استراحوا)، وإن هم أبوا فو الذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فانطلق بديل فحدّث قريشا بما سمعه من رسول الله ﷺ. فقام عروة بن مسعود يعرض على المشركين أن يأتي النّبي ﷺ فيكلمه في تفصيل ما جاءهم به بديل بن ورقاء. فقالوا له دونك فاذهب.
فذهب، فكلّمه النّبي ﷺ بمثل ما كلّم به بديلا، فقال له عروة: أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى، فإني والله لا أرى وجوها، وإني لأرى أشوابا من الناس (أي أخلاطا منهم) خليقا أن يفرّوا ويدعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امصص بظر اللات أنحن نفرّ عنه وندعه! ..
فالتفت قائلا: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. فقال: أما إنه لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك «٣» . ثم جعل يكلّم النّبي ﷺ فكلما تكلّم أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النّبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النّبي ﷺ، ضرب يده بنعل السيف، وقال له أخّر يدك عن لحية رسول الله ﷺ. فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس «٤»؟
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النّبي ﷺ بعينيه، قال: فو الله ما تنخّم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له.
فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر
_________________
(١) هذه من رواية البخاري في كتاب الشرط وابن إسحاق وغيرهما. وقد ذكر البخاري في كتاب المغازي هذا الحديث. وقال: إنه جلس على البئر ثم دعا بإناء فمضمض ودعا الله ثم صبّه فيها. ثم قال دعوها ساعة، ثم إنهم ارتووا بعد ذلك. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الأمران واقعين معا. وأما حديث أنه ﷺ وضع يده في ركوة ماء فجعل الماء يفور من بين أصابعه فتلك واقعة أخرى غير هذه. وكل ذلك ثابت صحيح.
(٢) العوذ جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن والمطافيل الأمهات من النوق إذا كان معها أطفالها. يريد أنهم خرجوا بكل ما يحتاجون حتى لا يرجعوا إلا بعد أن يمنعوا المسلمين من دخول مكة.
(٣) اليد النعمة، واليد التي يقصدها عروة، أن عروة كانت تحمل دية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن.
(٤) أراد عروة بذلك أن المغيرة بن شعبة قتل قبل إسلامه ثلاثة عشر رجلا فودى له عروة المقتولين.
[ ٢٣١ ]
وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد ﷺ محمدا! ..
وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
ثم إنهم أرسلوا إليه سهيل بن عمرو ممثلا عنهم ليكتب بينهم وبين المسلمين كتابا بالصلح، فلما جلس إلى رسول الله ﷺ قال: هات أكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النّبي ﷺ الكاتب (وكان الكاتب عليا ﵁- فيما رواه مسلم) فقال النّبي ﷺ: أكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: أما «الرحمن» فو الله ما أدري ما هي، ولكن أكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون:
والله لا نكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النّبي ﷺ: أكتب باسمك اللهم. ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله. فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب «محمد بن عبد الله»، فقال رسول الله ﷺ: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني! .. اكتب محمد بن عبد الله. (وفي رواية مسلم: فأمر عليا أن يمحوها، فقال عليّ لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله ﷺ: أرني مكانها، فأراه مكانها فمحاها)، فقال له النّبي ﷺ: على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله، لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة، ولكن ذلك من العام القادم وليس مع المسلمين إلا السيوف في قرابها. فكتب.
فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، ومن جاء منكم لم نرده عليكم، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟! (والتفتوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه: أنكتب هذا يا رسول الله؟! قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا) «٥» .
وكانت مدة الصلح بناء على هذه الشروط- على ما رواه ابن إسحاق وابن سعد والحاكم- عشر سنين لا إسلال فيها ولا إغلال (أي لا سرقة ولا خيانة) وأنه من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: «نحن في عقد محمد وعهده» . وتواثبت بنو بكر فقالوا: «نحن في عقد قريش وعهدهم» .
ولما فرغ من الصلح والكتابة، أشهد على الكتاب رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين.
وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب قال: «فأتيت نبي الله ﷺ، فقلت ألست نبي الله حقا؟ قال: بلى، قلت: ألست على حق وعدونا على باطل؟ قال: بلى، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قلت: فلماذا نعطي الدنيّة في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟
قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به. فلم
_________________
(١) ما بين القوسين تفصيل لرواية مسلم. والحديث بطوله من لفظ البخاري مع زيادات لمسلم.
[ ٢٣٢ ]
يصبر عمر حتى أتى أبا بكر ﵁ فسأله مثل ما سأل النّبي ﷺ، فقال له يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يعصي ربّه ولن يضيّعه الله أبدا. فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول الله ﷺ، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياها. فقال: يا رسول الله، أو فتح هو؟! .. قال: نعم، فطابت نفسه» «٦» .
ثم إن النّبي ﷺ أقبل على أصحابه فقال لهم: «قوموا فانحروا ثم احلقوا- وكرر ذلك ثلاثا- فوجم جميعهم وما قام منهم أحد، فدخل على زوجته أم سلمة، وذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر لفرط الغم.
ثم جاء نسوة مؤمنات (بعد انصرافه إلى المدينة) مهاجرات بدينهن، بينهن أم كلثوم بنت عقبة، فأنزل الله تعالى قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ، فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ، وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة ٦٠/ ١٢] . فأبى رسول الله ﷺ أن يردهنّ بدينهن إلى الكفار» «٧» .