ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة، والصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة، ومن أبرز أدلة ذلك أن سعد بن معاذ كان حيا في هذه الغزوة، وله ذكر في قصة الإفك التي سيأتي تفصيلها إن شاء الله، وقد توفي سعد بن معاذ في غزوة بني قريظة متأثرا بجرحه الذي أصيب به في الخندق، وقد كانت
[ ٢٠٢ ]
غزوة بني قريظة سنة خمس من الهجرة كما سيأتي بيان ذلك. فكيف يكون سعد حيّا بعد عام من وفاته «٥٨»؟!
وسببها ما بلغ النّبي ﷺ من أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن ضرار، فلما سمع رسول الله ﷺ بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء يقال له (المريسيع) . فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم. وقسم رسول الله ﷺ أربعة أخماس الغنيمة على المقاتلين للراجل سهم وللفارس سهمان «٥٩» .
وخرج مع المسلمين في هذه الغزوة عدد كبير من المنافقين، كان يغلب عليهم التخلف في الغزوات السابقة، وذلك بما رأوا من اطراد النصر للمسلمين وطمعا في الغنيمة.
وقد روى البخاري ومسلم من طريقين مختلفين أن بعض الصحابة استفتى رسول الله ﷺ في شأن العزل في هذه الغزوة- وذلك عند ما قسم رسول الله ﷺ بينهم السبي- فقال لهم: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة، إلا وهي كائنة» .
وروى ابن سعد في طبقاته وابن هشام في سيرته، أن غلاما لعمر بن الخطاب ﵁ اسمه جهجاه بن سعيد الغفاري تنازع مع سنان بن وبر الجهني، وهما مع جمع عند ماء المريسيع أثناء مقام النّبي ﷺ هناك، وكادا أن يقتتلا، فصرخ الجهني: «يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فسمع بالأمر عبد الله بن أبي بن سلول، فغضب وقال للرهط ممن معه: أو فعلوها؟! .. قد نافرونا وكاثرونا في دارنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش (يقصد المسلمين من قريش) إلا كما قالوا: سمّن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ» .
وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم، فمشى إلى رسول الله ﷺ يخبره الأمر، وكان عنده عمر ﵁، فقال: «يا رسول الله مر به عبّاد بن بشر فليقتله، فقال له ﵊: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا. ولكن أذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس.
ومشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذنتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي» .
_________________
(١) راجع للوقوف على تفصيل الدليل في هذا فتح الباري: ٧/ ٣٠٤، وزاد المعاد لابن القيم: ٢/ ١١٢، وعيون الأثر لابن سيّد الناس: ٢/ ٩٣
(٢) طبقات ابن سعد: ٣/ ١٠٦، وسيرة ابن هشام: ٢/ ٢٩٠
[ ٢٠٣ ]
ونزلت سورة المنافقين تصديقا لقول زيد بن أرقم عن عبد الله بن سلول، وفيها يقول الله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ «٦٠» [المنافقون ٦٣/ ٨] .
وجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى رسول الله ﷺ- بعد أن رجعوا إلى المدينة- فقال:
«إنه بلغني أنك تريد قتل أبي فيما بلغك عنه. فإن كنت لابدّ فاعلا، فمرني فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.
وجعل بعد ذلك إذا حدث عبد الله بن أبي بالحديث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنفونه. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب: «كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته. فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري» .