وقد كانت في السنة الرابعة للهجرة، بعد مرور شهر ونصف تقريبا على إجلاء بني النضير، على ما ذهب إليه أكثر علماء السير والمغازي. ورجّح البخاري وبعض المحدثين أنها كانت بعد غزوة خيبر.
وسببها ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين، ذلك الغدر الذي تجلى في مقتل أولئك الدعاة السبعين الذين خرجوا يدعون إلى الله تعالى، فخرج ﵊ قاصدا
[ ١٩٤ ]
قبائل محارب وبني ثعلب، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ﵁. وعسكر رسول الله ﷺ في مكان بنجد من أرض غطفان يسمى (نخل)، ولكن الله تعالى قذف في قلوب تلك القبائل الرعب- وقد كانت كما يقول ابن هشام جموعا كبيرة- فتفرقوا بعيدا عن المسلمين، ولم يقع أيّ قتال.
غير أن في قصة هذه الغزوة- مع ذلك- مشاهد تستأهل النظر فيها وأخذ الدرس منها، فلنجتزئ عن ذكر القصة كلها، بذكر هذه المشاهد:
أولا: روي في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، قال: فنقبت أقدامنا، فنقبت قدماي وسقطت أظافري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، قال: كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه» .
ثانيا: روى البخاري ومسلم أنه ﷺ صلى في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف، وأن طائفة صفّت معه، وطائفة وجاه العدو. فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلّم بهم «٤٧» .
ثالثا: روى البخاري أيضا عن جابر ﵁: «أنه لما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة (وقت القيلولة) في واد كثير العضاه (نوع من الشجر) فنزل رسول الله ﷺ، وتفرق الناس يستظلون الشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله ﷺ إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال لي: من يمنعك مني؟ فقلت له: الله، فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ» «٤٨» .
رابعا: روى ابن إسحاق وأحمد عن جابر ﵁، قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع فأصيبت امرأة من المشركين فلما انصرف رسول الله ﷺ
_________________
(١) رواه البخاري في ٥/ ٥٣ باب: غزوة ذات الرقاع، ورواه مسلم في ٢/ ٢١٤ باب صلاة الخوف وزاد مسلم فروى بعد ذلك عن جابر أنه نودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتين. قلت: ووجه التوفيق بين الحديثين أنه ﵊ صلى بأصحابه صلاة الخوف أكثر من مرة، فصلاها مرة على النحو الأول وصلاها مرة أخرى على النحو الثاني وحديث مسلم يدل على أن المسافر يجوز له أن يتم الرباعية ويقصرها وهو مذهب الشافعي ومالك والإمام أحمد، خلافا للحنفية..
(٢) صحيح البخاري: ٥/ ٥٢ و٥٣ و٥٤
[ ١٩٥ ]
قافلا وجاء زوجها وكان غائبا، فحلف أن لا ينتهي حتى يهريق دما في أصحاب محمد ﷺ، فخرج يتبع أثر النبي ﷺ، فنزل النبي ﷺ منزلا، فقال: من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟ قال: فانتدب رجل من المهاجرين وآخر من الأنصار «٤٩» فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب، قال: وكان رسول الله ﷺ وأصحابه قد نزلوا إلى شعب من الوادي.
فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب، قال الأنصاري للمهاجري: أيّ الليل تحب أن أكفيكه؟
أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله. فاضطجع المهاجري فنام، وقام الأنصاري يصلي، قال:
وأتى الرجل فلما رأى شخص الأنصاري عرف أنه ربيئة القوم (الطليعة الذي يحرسهم) فرمى بسهم فوضعه فيه، فنزعه الأنصاري وثبت قائما يصلي، ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه، فنزعه وثبت قائما، ثم عاد له بالثالثة فنزعه، ثم ركع وسجد، وأهب صاحبه (أيقظه) قائلا: اجلس فقد أثبتّ، قال: فوثب، فلما رآهما الرجل عرف أن قد نذر به «٥٠» فهرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال: سبحان الله، أفلا أيقظتني أول ما رماك، قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها. فلما ثابر عليّ الرمي ركعت فآذنتك. وايم الله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني رسول الله بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها» «٥١» .
خامسا: روى البخاري ومسلم، وابن سعد في طبقاته، وابن هشام في سيرته، عن جابر بن عبد الله قال:
«خرجت مع رسول الله ﷺ إلى غزوة ذات الرقاع على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله ﷺ. فقال: مالك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال: أنخه فأنخته وأناخ رسول الله ﷺ، ثم قال: أعطني هذه العصا من يدك، ففعلت، فأخذها فنخسه بها نخسات ثم قال: اركب، فركبت فخرج- والذي بعثه بالحق- يواهق «٥٢» ناقته مواهقة.
وتحدثت مع رسول الله ﷺ فقال لي: أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: يا رسول الله، بل أهبه لك، قال: لا ولكن بعنيه، قلت: فسمنيه يا رسول الله، قال: آخذه بدرهم! قلت:
لا، إذن تغبنني يا رسول الله. قال: فبدرهمين؟ قلت: لا، فلم يزل يرفع لي رسول الله ﷺ في ثمنه حتى بلغ الأوقية. فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله؟ قال: نعم، قلت: فهو لك، قال:
قد أخذته.. ثم قال: يا جابر هل تزوجت بعد؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أثيّبا أم بكرا؟
_________________
(١) زاد ابن إسحاق: وهما عمار بن ياسر، وعباد بن بشر.
(٢) نذر به: أي اكتشف أمره.
(٣) رواه أحمد والطبري وأبو داود عن ابن إسحاق عن صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله.
(٤) يواهق: أي يسابق.
[ ١٩٦ ]
قلت: لا، بل ثيّبا، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟ قلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد وترك له بنات سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهن وتقوم عليهن. قال:
أصبت إن شاء الله، أما إنا لوقد جئنا صرارا «٥٣» أمرنا بجزور فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها «٥٤»، فقلت: والله يا رسول الله، مالنا من نمارق!. قال: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيّسا.
قال جابر: فلما جئنا صرارا، أمر رسول الله ﷺ بجزور فنحر، وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله ﷺ دخل ودخلنا المدينة.
قال جابر: فلما أصبحت أخذت برأس الجمل، فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله ﷺ، ثم جلست في المسجد قريبا منه، فخرج رسول الله ﷺ فرأى الجمل فقال:
ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر؟ فدعيت له فقال:
يا ابن أخي، خذ برأس جملك فهو لك. ودعا بلالا فقال له: اذهب بجابر فأعطه أوقية، فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا، فو الله ما زال ينمو عندي ويرى مكانه من بيتنا» «٥٥» .