والتشييد أن تقام عمارة المسجد بالحجارة وشبهها مما يزيد في قوة بنائه ومتانة سقفه وأركانه، والنقش والزخرفة ما جاوز أصل البناء من شتى أنواع الزينة.
فأما التشييد فقد أجازه واستحسنه العلماء عامة، بدليل ما فعله عمر وعثمان ﵄ من إعادة بناء مسجده ﵊، وهو وإن كان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ، إلا أن عدم فعله لم يدل على المفهوم المخالف. أي المنع من التشييد والتقوية، إذ لا يتعلق بهما وصف يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المساجد، بل إن في ذلك زيادة في العناية والاهتمام بشعائر الله تعالى. واستدل العلماء أيضا على ذلك بقوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة ٩/ ١٨]، والعمارة إنما تكون بالتشييد وتقوية البناء والعناية به.
وأما النقش والزخرفة، فقد أجمع العلماء على كراهتهما، ثم هم في ذلك بين محرّم ومكرّه كراهة تنزيه، غير أن الذين قالوا بالحرمة والذين قالوا بالكراهة اتفقوا على أنه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيء من الزخرفة والنقش، أما إذا كان المال المصروف على ذلك من الباني نفسه فيرد الخلاف فيه، وقد ذكر الزركشي نقلا عن الإمام البغوي أنه لا يجوز نقش المسجد من غلة الوقف، ويغرم القيّم إن فعله، فلو فعله رجل بماله كره لأنه يشغل قلب المصلين «٨» .
_________________
(١) إعلام الساجد: ٢٣٦
(٢) هذا عند فقهاء الشافعية، وأجاز ذلك الحنفية وغيرهم إذا اقتضت المصلحة.
[ ١٤٥ ]
والفرق بين عموم التشييد وخصوص الزخرفة والنقش واضح.
فالأول كما قلنا لا يترتب عليه وصف أو معنى يخل بالحكمة التي من أجلها شرع بناء المسجد أما الزخرفة والنقش فإن كلّا منهما يترتب عليه معنى يخل بالحكمة، إذ من شأنه صرف قلوب المصلين عن الخشوع والتدبر وشغلها بمظاهر الدنيا، على حين يقصد من الدخول في المسجد الهرب من التصورات الدنيوية وتفريغ البال من زينتها ومغرياتها.
وهذا ما نبه إليه عمر ﵁. فقد روى البخاري في صحيحه أنه أمر ببناء مسجد فقال: «أكنّ الناس من المطر وإياك أن تحمّر أو تصفّر، فتفتن الناس» .
وقد اختلف العلماء في كتابة آية من القرآن في قبلة المسجد هل هي داخلة في النقش الممنوع أم لا؟ يقول الزركشي في كتابه إعلام الساجد:
«ويكره أن يكتب في قبلة المسجد آية من القرآن أو شيئا منه، قال مالك، وجوزه بعض العلماء، وقال: لا بأس به، لما روي من فعل عثمان ذلك بمسجد رسول الله ﷺ ولم ينكر ذلك عليه» «٩» .
ومما ذكرناه يتبين لك خطأ ما يعمد إليه كثير ممن يهتمون بتعمير المساجد وتشييدها اليوم، حيث ينصرفون بكل جهودهم إلى التفنن في تزيينها ونقشها وإضفاء مختلف مظاهر الأبهة عليها، حتى أن الداخل إليها لا يكاد يستشعر أي معنى من ذل العبودية لله ﷿، وإنما يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بما ارتقى إليه فن الهندسة المعمارية، وفنون الزخرفة العربية.
ومن أسوأ نتائج هذا التلاعب الشيطاني ببسطاء المسلمين، أن الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهربوا من مظاهر الإغراء الدنيوي إلى أي جهة، لقد كان في المساجد ما يعزي الفقير بفقره، ويخرجه من جو الدنيا وزخرفها إلى الآخرة وفضلها، فأصبحوا يجدون حتى في مظهر هذه المساجد ما يذكّرهم بزخارف الدنيا التي حرموها ويشعرهم بنكد الفقر وأوضاره.
فيالله، ما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم وانشغال بمظاهر كاذبة ظاهرها الدين وباطنها الدنيا بكل ما فيها من شهوات وأهواء.
_________________
(١) إعلام الساجد: ص ٢٢٧
[ ١٤٦ ]