ففي الأمر الأول- وهو صلة الأمة بالله- بادر الرسول ﵊ إلى بناء المسجد؛ لتظهر فيه شعائر الإسلام، التي طالما حوربت، ولتقام فيه الصلوات، التي تربط المرء بربّ العالمين، وتنقّي القلب من أدران الأرض، ودسائس الحياة الدنيا.
والمرويّ أنّ الرسول ﷺ بنى مسجده الجامع حيث بركت ناقته، في مريد لغلامين يكفلهما أسعد بن زرارة، وكان الغلامان يريدان النزول عنه لله، فأبى الرسول ﵊ إلا ابتياعه بثمنه، وكان المربد قبل أن يتّخذ مصلّى كهذه المصليات التي تنتشر في ريفنا؛ كانت تنبت فيه نخيل وشجر غرقد، ويختفي في ترابه بعض قبور للمشركين.
فأمر الرسول ﷺ بالنخل فقطع، وبالقبور «١» فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وصفّوا النخل قبلة للمسجد «٢» - والقبلة يومئذ بيت المقدس- وجعل طوله مما يلي القبلة إلى المؤخرة مئة ذراع، والجانبان مثل ذلك تقريبا، وجعلت عضادتاه من الحجارة، وحفر الأساس ثلاثة أذرع، ثم بني باللبن، واشترك الرسول ﷺ وأصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم.
وكانوا يروّحون عن أنفسهم عناء الحمل والنّقل والبناء.. بهذا الغناء:
اللهمّ لا عيش إلا عيش الاخره فاغفر للأنصار والمهاجره!!
وقد ضاعف حماس الصحابة في العمل رؤيتهم النبيّ ﵊ يجهد كأحدهم، ويكره أن يتميّز عليهم، فارتجز بعضهم هذا البيت:
لئن قعدنا والرّسول يعمل لذاك منّا العمل المضلّل!!
وتمّ المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع، وربما أمطرت السماء فأوحلت أرضه، وقد تفلت الكلاب إليه فتغدو وتروح.
هذا البناء المتواضع الساذج، هو الذي ربّى ملائكة البشر، ومؤدبي الجبابرة، وملوك الدار الاخرة، في هذا المسجد أذن الرحمن لنبيّ يؤمّ بالقران خيرة من امن به، أن يتعهّدهم بأدب السماء من غبش الفجر إلى غسق الليل.
_________________
(١) هي أجداث أتى عليها البلى حتى هجرت، فلا يدفن بها أحد.
(٢) ثبت هذا في (الصحيحين) وغيرهما من حديث أنس.
[ ١٨٨ ]
إنّ مكانة المسجد في المجتمع الإسلامي، تجعله مصدر التوجيه الروحي والمادي؛ فهو ساحة للعبادة، ومدرسة للعلم، وندوة للأدب، وقد ارتبطت بفريضة الصلاة وصفوفها أخلاق وتقاليد هي لباب الإسلام، لكنّ الناس- لما أعياهم بناء النفوس على الأخلاق الجليلة- استعاضوا عن ذلك ببناء المساجد السامقة، تضم مصلين أقزاما!!.
أما الأسلاف الكبار فقد انصرفوا عن زخرفة المساجد وتشييدها إلى تزكية أنفسهم وتقويمها، فكانوا أمثلة صحيحة للإسلام.
والمسجد الذي وجّه الرسول ﷺ همته إلى بنائه قبل أي عمل اخر بالمدينة، ليس أرضا تحتكر العبادة فوقها؛ فالأرض كلها مسجد، والمسلم لا يتقيّد في عبادته بمكان.
إنّما هو رمز لما يكترث له الإسلام أعظم اكتراث، ويتشبّث به أشدّ تشبث؛ وهو وصل العباد بربهم وصلا يتجدّد مع الزمن، ويتكرّر اناء الليل والنهار، فلا قيمة لحضارة تذهل عن الإله الواحد، وتجهل اليوم الاخر، وتخلط المعروف بالمنكر!.
والحضارة التي جاء بها الإسلام تذكّر أبدا بالله وبلقائه، وتمسك بالمعروف، وتبغّض في المنكر، وتقف على حدود الله.
ولقد شاهد يهود المدينة ومشركوها هذا الرسول الجديد ﷺ يحتشد مع صحبه في إقامة المسجد، يمهّده للصلاة؛ فهل رأوا سيرة تريب أو مسلكا يغمز؟!.
روى البيهقيّ، عن عبد الرحمن بن عوف «١»، قال: كان أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ بالمدينة أن قام فيهم، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أمّا بعد: أيها الناس! فقدّموا لأنفسكم، تعلمنّ والله ليصعقنّ أحدكم، ثم
_________________
(١) هذا خطأ؛ وإنما رواه البيهقي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال فذكره. هكذا أورده الحافظ ابن كثير في (البداية): ٣/ ٢١٤، ثم أعلّه بالإرسال. وقد روى ابن جرير: ٢/ ١١٥- ١١٦، بسند صحيح عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: أنه بلغه عن خطبة رسول الله ﷺ في أول جمعة صلاها بالمدينة فذكرها، وهي مغايرة كلّ المغايرة لخطبة أبي سلمة؛ وهي ضعيفة أيضا لأنّها معضلة؛ الجمحيّ هذا يروي عن أتباع التابعين مثل هشام بن عروة وغيره.
[ ١٨٩ ]
ليدعنّ غنمه ليس لها راع، ثم ليقولنّ له ربّه- ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه-: ألم يأتك رسولي فبلّغك؟ واتيتك مالا، وأفضلت عليك؟ فما قدّمت لنفسك؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ثم ينظر قدّامه فلا يرى غير جهنّم، فمن استطاع أن يقي نفسه من النّار ولو بشقّ تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإنّ بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والسلام عليكم وعلى رسول الله» .