بيد أنّ كتب التاريخ والتفسير التي تركت للورّاقين والزنادقة يشحنونها المفتريات، اتسعت صفحاتها لذكر هذا اللغو القبيح؛ ومع أن زيفه وفساده لم يخفيا على عالم، إلا أنه ما كان يجوز أن يدوّن مثله
إنك تفتح (الخازن) في تفسير القران (سورة هود) فتقرأ ما يلي: لما كثرت الأرواث في سفينة نوح، أوحى الله إليه أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، ومسح على الخنزير فوقع منه الفأرة، فأقبلوا على الروث فأكلوه، فلما أفسد الفأر في السفينة، وجعل يقرضها ويقطع حبالها، أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب فخرج من منخره قط وقطة، فأقبلا على الفأر فأكلاه.
أرأيت هذا الكلام الفارغ؟! أرأيت من قبله حديث الغرانيق؟! إن كثيرا من هذه الخرافات الصغيرة توجد في كتب شتى عندنا، ولا ندري متى تنظف هذه الكتب القديمة منها، فهي لا ريب مدخولة عليها أيام غفلة المسلمين، وغلبة الدسائس اليهودية على أفكارهم ومخطوطاتهم.
والذي ورد في الصحيح: أن الرسول ﵊ قرأ سورة (النجم) في محفل يضمّ مسلمين ومشركين، وخواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب. فلما أخذ صوت الرسول ﷺ يهدر بها ويرعد بنذرها حتى وصل إلى قول الله ﷿:
[ ١٢٠ ]
.. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) [النجم] .
كانت روعة الحقّ قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخرّوا لله ساجدين، مع غيرهم من المسلمين.
فلما نكسوا على رؤوسهم، وأحسوا أنّ جلال الإيمان لوى زمامهم، ندموا على ما كان منهم، وأحبّوا أن يعتذروا عنه، بأنهم ما سجدوا مع محمد ﷺ إلا لأن محمدا ﷺ عطف على أصنامهم بكلمة تقدير «١» ! (كذا)، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلّفون النكت للضحك من المسلمين، ولا يستحيي أحدهم- وهو ابن خال النبي ﵊- أن يقول له ساخرا: أما كلّمت اليوم من السماء يا محمد؟!.
وليس أسمج من اعتذار المشركين عن سجودهم إلا تصديق هذا الاعتذار، وقد حاول المشركون أن ينشروا فريتهم هذه ليعكروا على الرسول ﵊، ويشوّشوا على الوحي، وليوهموا بأن محمدا ﷺ في بعض أحيانه مال إليهم، وهيهات، فإن الحرب التي شنّها محمد ﷺ على الوثنية لم تزدها الليالي إلا ضراما، ولم تزده من عبيدها إلا خصاما.