إلى جانب هذه الأصناف تجد فريقا اخر من البشر، لا يطيق الكفّ عن إسداء الجميل، وبذل النصيحة، ورعاية الصالح العام، وإفناء ذاته في سبيل الفضائل التي ملكت لبّه، وعمرت قلبه
إنه يبيت مسهّدا لو فرّط في واجب راحته الكبرى في نشدان الكمال، وسعادته القصوى يوم يدرك منه سهما
وأصحاب الرسالات رهناء ما تحمّلوا من أمانات ضخمة، فمغانمهم ومغارمهم وحلّهم وترحالهم، وصداقتهم وخصومتهم، ترجع كلّها إلى المعاني التي ارتبطوا بها وحيوا لأجلها
وصاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله ﷺ ضرب من نفسه المثل الفذ للمكافحين، فمنذ أخذ على عاتقه تمزيق الأسداف التي ألقت على العالم ليلا كثيفا من الشرك والخرافة؛ لم يفلح أحد في ثنيه عن عزمه، أو تعويق مسيره، أو ترضيته برغبة، أو ردعه برهبة، وفنيت أمام عينيه فوارق الزمان والمكان، فالغريب عنه إذا عرف الحقّ قريب، ووطنه إذا تنكّر للهدى فهو منه بريء، والمؤمنون به اخر الدهر هم إخوانه، وإن لم يشاهدوه.
ولقد عاش في مكة ثلاثة وخمسين عاما حتى ألفها وألفته، لكنّه اليوم يخرج منها إلى وطن جديد، يرى فيه امتداد قلبه، وثمار غرسه.
والرجال الذين تنبع سعادتهم من قلوبهم، ويرتبطون أمام ضمائرهم بمبادئهم، لا يكرّمون بيئة بعينها إلا أن تكون صدى لما يرون.
فلا غرو إذا دخل محمد ﷺ المدينة دخول الوامق المعتزّ.. واستبشر بما اتاه الله فيها من فتح، وتوسّم من وراء هذه الهجرة بشائر الخير والنصر:
[ ١٨٢ ]
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة يذكّر لو يلقى حبيبا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير واعيا
فلمّا أتانا واستقرّت به النّوى وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بعيد ولا يخشى من النّاس باغيا
بذلنا له الأموال من جلّ مالنا وأنفسنا عند الوغى والتّاسيا
نعادي الذي عادى من النّاس كلّهم جميعا، وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أنّ الله لا ربّ غيره وأنّ كتاب الله أصبح هاديا «١»