ولد محمد ﷺ بمكة ولادة معتادة، لم يقع فيها ما يستدعي العجب أو يستلفت النظر، ولم يمكن المؤرخين تحديد اليوم والشهر والعام الذي ولد فيه على وجه الدقة؛ وأغلب الروايات تتجه إلى أن ذلك كان عام هجوم الأحباش على مكة سنة (٥٧٠ م) في الثاني عشر من ربيع الأول (٥٣ ق. هـ) «١» .
وتحديد يوم الميلاد لا يرتبط به من الناحية الإسلامية شيء ذو بال؛ فالأحفال التي تقام لهذه المناسبة تقليد دنيوي لا صلة له بالشريعة.
وقد روى البعض أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد؛ فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى؛ وخمدت النار التي يعبدها المجوس؛ وانهدمت الكنائس حول بحيرة (ساوة) بعد أن غاضت؛ قال البوصيري:
أبان مولده عن طيب عنصره يا طيب مبتدأ منه ومختتم
يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم
وبات إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف عليه؛ والنّهر ساهي العين من سدم
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها وردّ واردها بالغيظ حين ظمي
وهذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة؛ فإنّ ميلاد محمد ﵊ كان حقا إيذانا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه، وكذلك كان ميلاد موسى، ألا ترى أنّ الله لما وصف جبروت فرعون، واستكانة الناس إلى بغيه، ثم أعلن عن إرادته في تحرير العبيد واستنقاذ المستضعفين؛ قصّ علينا قصة البطل ثم أعلن عنه بهذه الأعمال فقال: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
[القصص: ٧] .
_________________
(١) قلت: قال الشيخ محمد الخضري في (نور اليقين)، ص ١٢: «وقد حقق محمود باشا الفلكي رحمه الله تعالى ولادة رسول الله ﷺ، وأن ذلك كان صبيحة يوم الإثنين، تاسع ربيع الأول، الموافق لليوم العشرين من أبريل/ نيسان سنة (٥٧١ م)، وهو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل» . (ن) .
[ ٦١ ]
وقد كانت رسالة محمد بن عبد الله ﷺ أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي، وكان جند القران أعدل رجال وعاهم التاريخ، وأحصى فعالهم في تدويخ المستبدّين، وكسر شوكتهم، طاغية إثر طاغية.
فلما أحبّ الناس- بعد انطلاقهم من قيود العسف- تصوير هذه الحقيقة، تخيلوا هذه الإرهاصات، وأحدثوا لها الروايات الواهية، ومحمد ﷺ غني عن هذا كله؛ فإنّ نصيبه الضخم من الواقع المشرّف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها.